آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

رِسَالَةُ الهُدهُد

عبد الله أمان

لم تكن الرسالة الشفهية أو المكتوبة - عَبر التاريخ - يومًا هَباءً مَنثورًا، تذرُّها الرياح الباردة؛ ولا زُخْرُفًا من رَديء القول المُنَمَّق تَتلقفها ألسنة الزور الساخطة؛ ولا أضغاث أحلامٍ عَبثية النسج، تحكيها أفواه العامة من الناس، بمبالغات شخصية مَحضَة؛ بل على النقيض من ذلك: إنها نفحة إنسانية بيانية راقية؛ وهَمزة وصل ثكافلية تضامنية؛ ورَحمة سَلام شاملة آمِنة؛ تتآلف ببنودها المُرْضِيَة، شتى الأَناسِي والمِلل؛ وتتحالف بمواثيقها المُقنِعة مُختلف الطوائف والنِّحَل… تدركها حَواس الإنسان الحاضرة المتحضرة؛ وتحتضنها باهتمام واعتناء، مَجَاس فِطنته الحَصِيفة الظافرة؛ وتستطيب شَواهِدها المُبصِرة، بذكاء وألمعية، دوائر مَنطق حَواس فِكره ”الرسالي“ السليم؛ وتكبِرها مُعطيات فِطرته العَطِرة!… ولعل دِيباجة الرسالة المخطوطة، في رِقاعها النقي، ووِكَائها المشدود، تنال حَظوتها التامة مِن الاعتناء المسموع، والاكتراث الواعي؛ وإنَّ القول السديد المرفوع في نَهجها المحمود، والثناء على مَقصدها الممدوح، لا يُضعف، قطعًا ما لأُختها التوأم - الرساله الشفوية - من مَكانة اعتبارية، وشَأن توقِيري، لا يُستهان بهما، في خِضم سُوح التواصل البشري السائد بين الشعوب والقبائل، قاطبة!

والملفت للانتباه، أن ديباجَة الرسالة المهداة بنوعيها: المَكتوبة المُرسلة، والشفوية المنقولة لا تخلو من مَشاعر الارتياح؛ ولا تفتقر إلى أحاسيس الانشراح؛ ولا تَقفُر من مُهيَّجَات الاحتجاج؛ ولا تنجو من فَلتات الانزعاج؛ ولا تَسْلَم، نهائيًا - بين سُطورها الموثقة - من عِبارات التهديد؛ أوتَبرَأ مَرة، من غِلظَة الوَعيد… ولعلي هنا أقف مُصدقًا ومُسلمًا أمام رِقاع رسالة نبي الله سُليمان الجامعة - عليه وعلى نبينا الكريم، أفضل الصلاة، وأتم التسليم - والتي تحمل في سَنام سُطورها المُضيئة بركة البسملة المحمودة؛ وما تبشر به من لَطائف الخير والإيمان؛ وما تنشره من عَطايا اليُمن والإحسان؛ وما تهديه من هِبات الاستبشار؛ وتسديه من مُقدمات الاستبصار؛ وماتحويه رسالته النبوية الكريمة - الموجَّهة إلى القوم المنصرِفين إلى عبادة مخلوقات الله - بين سُطورها الساطعة، وغَرَضِ أهدافها الواضحة، من مَهام عَرْض الإيمان بالدعوة ”الحَنيفِية السمحَة“ المُنصبة في عبادة الله، الواحد الأحد؛ والآمِرة بترك عبادة ما سِواه من الكواكب السيارة، والآيات الكبرى، والمخلوقات الربانية الأخرى… وتلك رسالة نبوية سَامِية، تحمل في طَياتها الدعوية النصِيع، ومَضامِينها التبليغية النصِيح، مُحَفزات النزوع الواعي؛ إلى تلبية نفحات التكليف الرباني المُؤيد برسالة التوحيد الخالصة المُنجِية والداعية، في دَفتيها الموحِدتين، إلى عبادة الله الواحد الأحد!

ومما يُميز رسالة نبي الله سليمان ، أنها خُطت مُحددة، وأُرسلت مُسطرة من مَقام بيت المَقدِس المُقدَّس إلى قوم سَبَأ باليمن، في جنوب جزيرة العرب، بعد الاستماع المُنصت إلى نص الرسالة الشفوية الصادقة الضافية، التي نقلها الشاهد العِيان: طائر الهُدهُد الرشيق الرقيق… وكأني به يحكيها عَلانية بلسان طَلِق، ويعلنها صَراحَة بمُناغَاة ذلِقة؛ ويؤديها بمُنتهى أمانة النقل السردي؛ ويلقيها ببلاغة السك الأدبي، برباطة جأش الشاهد المُلهم، وكفاءة الناطق المُفَوَّه، وثباث جِنانهما الطلق الحاذق أصالة، أمام مَرأى ومَسمع من مقام نبي الله سليمان ، بعد غياب طويل لهدهد ”السَّلْمِ والسلام“؛ وتجشُّمه كُلفَة مَشاق السفر الجِسَام؛ وتحمُّله شُقة مَهام البحث والتحقق العِظام؛ وقد أثار، غياب سَفره في رحلته المُضنية الشاقة، حَفيظة واستياء واستنكار نبي الله سليمان ؛ لانشغال الهدهد - المُجاهد الشاهد - في رحلة عَودته الميمُونة، بإعداد ديباجة خطابه الفصيح الصريح… ويا له من خطاب فصل نجيب، بحضرة مَوكب مَلكي مَهيب! وقد حَظِي مَفاده بالإفادة، وأتحِف فَحواه بفائق مُنتدى الرِّفَادَة، تعلوه أريحية المُناظِر النشِط، وتغمُره سَماحة المُحاوِر اليقِظ، وكأن الرسالة النصية المتداولة، ذاتها بأمانة طَرحِها، وصِدق بَوحِها، يتجاذب أطرافها شَخصان حَكيمان مُلهمان، من بني البشر… فالهدهد الرقيق الرشيق، هو فَارسها وناقلها، ومُلقيها؛ ونبي الله سليمان مُستقبلها، ومُحللها، ومُرسلها، بدقة تفاصيلها الحاذقة؛ وبكامل ”كبسولة“ شفرتها المُستَتِرة؛ وبعُمق أمانة سَردِها البارع، وبليغ أدبيات ديباجتها الحَسَنة!… وفي مُتسع هَالة هذا الموقف الجليل؛ ومَرتع مَحطِه الخصيب؛ تتجلى عَظمة الخالق المُبدع البهي؛ وتسمو، في فلكه الملكوتي الخلَّاق، تَجُلَّة البارئ المُوجِد الحفِي، الذي لا تخفى عليه خافية، في دَحو أرضه، أو في بِناء سَمائه؛ وهو الذي أرسل على لسان مَخلوق صغير ضعيف مَهمة حَمل الأمَانة، وأودَع في مُستودع سِرها المكنون حافزًا دافعًا لرسالة التبليغ النبوية التامة: «فَمَكَثَ غَيرَ بعيد فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَم تُحِط بِه وَجَئتُكَ مِن سَبإٍ بِنَبَإٍ يَقِين».

ولعل فيضَ الكرامة الإلهية، ومُتسعَ جُعبة وِعَائها النابض: المُعجزة الرسالية التي تتحدى قدرات تصور العقل البشري؛ ويستعصي عليه فك كُنه شفراتها الخفِية؛ وتستحكم فهم حَلقاتها المُتخفية؛ فنال بشرف حلِّ أسرارها بامتياز فائق، واستيعاب رائق، نبي الله سليمان ؛ وفاز بمعجزة مَعرفة مَنطِق الطير المذهِل، التي وقفت أمامها العقول البشرية ”حائرة بائرة“ لا تلوي على أثَر التصديق؛ ولا تجرؤ على هَاجس التكذيب؛ ولأن حَبكة القصة - المُثيرة المُهَيِّجَة للتدبر والتفكر - بأمانة نقلها القرآني الشريف، في الوسط ”الأثيري“ المُثير للدهشة، من طائر صغير ألمعِي، يخفق بقوادم جناحيه الرشيقين، حِينًا؛ ويهفو بأريحية دافعة، طوعًا وانقيادًا، إلى حَضرة مَقام نبي مُلهم، ساعة؛ لأمر مَشفوع القَدر، وشأن مَرفوع الأَثر؛ ومِنحة مُؤيَّدة الظفر؛ بكرامة إلهية غامرة؛ تقشعِر منها الأبدان؛ وترتعِد لها الفرائص؛ إيمانًا وتسليمًا بعظمة الخالق الخلَّاق المصوِّر، الذي «يعلم خَائنة الأعين وما تُخفي الصدور» … فسبحان الله العظيم، خالق الخلق، ومُدبر الأمر، ومُحيي العظام وهي رَمِيم؛ «وكل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام»!

ومِما يثير الدهشة، حقًا؛ ويستدعي الحَيرة، أصالة، ما أفرزته رسالة هدهد سليمان الناضِرة المُتيقِّنة، بكِفلين وافرين من الدهشة: أولهما مُستقبلها نبي الله سليمان ، الذي بادر باستهلال حِوار رِسالي واعِظ بينه وقوم مملكة سَبَأ، تتقدمهم الملكة بَلقيس، المُلتفة حول قومِها؛ والمُهتمة بأمِر الشورى؛ والمَائلة إلى تبادل الرأي؛ والساعية، بحَزم وعَزم، إلى تداول الأمور المُستجدة الكُبرى، قبل اتخاذ القرارات التنفيذية الحاسِمة؛ وإصدار الفَرَمَانات الرائدة في تَحريك الهِمم الصارمة؛ وتوحِيد حِزَم المواقف القائدة؛ وعَقد قرار العزائم الصلبة؛ وتوطين النفس المطمئنة؛ وشحذ الإرادة الحاسمة؛ وقُبول أمر الدعوة الإلهية الصادقة، طوعًا وانقيادًا، إلى عبادة الخالق الدائم، بنفس راضية مَرضية، وجَوارح طائعة مَهدية؛ ولله القادر المهيمن المُتصرف، في أصناف خلقه، شؤون… بتبديد أثر شُبهاتِهم، ودرأ خطر ظُنونِهم، وطَمس رأس مَخاوفِهم… وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله رب العالمين!

والجدبر بالذكر، أني تشرفت برؤية طائر الهدهد، وجهًا لوجه، مُصادفة؛ وهو يَسرح ويَمرح بطَواعية دَمِثَة وحُرية طَلِقَة، في فصل الربيع المعتدل، بفناء مدرسة أم القرى الثانوية، بمدينة الجبيل الصناعية، قبل ثلاثة عُقود من الزمن، تحديدًا؛ حيث كنت أعمل حِينها مُدرسًا لمادة اللغة الإنجليزية؛ ولعل الهدهد الوسِيم الأنيق جاء سَائحًا أو مُهاجرًا؛ وارتحل رَاغبًا - في طلب الأجواء المعتدلة الدافئة - عن مَسقط رأسه، للاستمتاع المُستَجِم بالمسطحات الخضراء النضِرة، والاسترخاء المفضَّل وسط الغطاء النباتي المزهِر، فكان يوم سُرور دائم، وطالع سَعادة غَامرة؛ واستشعار نَعيم مُبهِج؛ وقد سُرِرتُ وقتها جَذِلًا، بمراقبة خِفة حَركاتة المَكوكية الأنيقة؛ وبَششتُ مُتَهَلِّلًا برِقة قفزاته ”الحَجَلية“ المليحة؛ وتأملت باستحسان رائق جُل وَثباته الرشيقة… والأكثر من ذلك، سَعِدت مبتهجًا بطلعته البهية، وغُمرت مُستأنسًا بدهشة آسِرة، بتدرج وتباين ألوان ريشه، وجمال ريش قوادمه المبدِعة التلوين، والمُهدى خِضابها بريشة رب العالمين؛ لتُؤهِّلَه شَهامة السبق، بالبذل السخي؛ وتكرَّمه وسامة الطلعة، بالشكل البهي؛ لأََن يَتفرد، استحقاقًا وجَدارة، بارتداء تاج مَلِك الطيور الرشيقة الأنيقة؛ ويُبارك له الناظر الحاضر غِبطة وسَعادة، بتأمل وأريحية، قَسامة ورَشاقة أنداده؛ ويُمجِّده فخرًا واعتزازًا، بسماحَة وتفكُّر، وَجَاهة ونَباهة أسلافِه، أينما حَل، وحَيثما ارتحَل!