آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 7:29 م

هكذا نموت ونحيا من الجذور - سلسلة خواطر متقاعد

بعض الأشجار التي زرعتها منذ فترة، يبست وماتت، وكلما اقتلعتُ واحدةً منها وجدتُ أنها هي الجذور تتعفن وتموت أولًا، ثم السَّاق والأوراق. وهكذا نحن - أبناء وبنات آدم - لا نموت من جذوعنَا لكن نموت من جذورنا، حين ننفصل عن قيمنا الممتدّة في أعماقِ الأرض، وتنكَمش جذورنا في ارتداد ومسافة قصيرة. موتُ الجذريَّة هذا يطال كلَّ أساس بُني عليه تراثٌ دينيٌّ وإنسانيٌّ.

أخطر خطر يُميت الإنسان أن ينسى من أين وكيف أتى؟ ثم يتقهقر بدلًا من أن يتفحَّص الطَّريق ويتقدم. في الحقيقة، لن يضر أحدًا الافتقار بعد الغنى، أو الذُّل بعد رفعة، فينتقصَ النَّاس من قدره، لكن يضره أن يفقدَ المبادئَ السَّامية، ويخفّ وزنهُ النَّوعي الذي به تسامى وارتقى.

ربَّما كان في السَّابق صعبًا أن يعرف الفاحص كم من القيمة والوزن فقد فلانٌ أو علان، أما الآن فأصبح الفكر معرّى ومكشوف لا يغطِّيه شيء! فهاهم الناس يتراقصون في الفضاء مثل العرائس والدُّمى فوق خشبةِ المسرح! الفرق بيننا وبين النّبات أننا إذا انفصلنا عن جذورنا وانفصَمنا عن قيمنا نظل نأكل ونشرب ونرقص ونصفق فوق المسارح، والنبات يموت!

الجذور هي الدَّاء والدَّواء، فمهما ماتت الأوراق وقُطعت السيقان، الجذور الطيِّبة والسَّليمة سوف تخلق جسورًا نحو إنسان أجمل، مرّ بتجربةٍ مميتة لكنه لم يمت. فإذا أردتَ أن تقتل الكثير من النَّاس دون أن تطلقَ رصاصةً واحدة أو تسيل قطرة دم، ولا يطالبك النَّاس بديات، اقطع قيمهم عن جذورها. ولا تستغرب أنَّ بعضًا منهم سوف يقدم لك الشَّكر والثَّناء بكلِّ بلادة، وكأنك المخلِّص الذي خلَّصتهم من حملٍ ثقيل!

تسألني ما العمل إذًا؟ وأنا اجيب: احم جذور أبنائك وبناتك وعلمهم الفرق بين الضَّحالة والعمق والمعرفة والجهل والانحطاط والعلو، هكذا تكون علَّمتهم الحياة وكيف يحمون جذورهم من الفناء.

مستشار أعلى هندسة بترول