آخر تحديث: 9 / 12 / 2021م - 12:48 ص

نورانية ذكر الله وظلمة الانتهاكات المعنوية

ورد عن رسولِ الله ﷺ: عليكم بذِكرِ الله فإنّه شفاء ٌ، وإيّاكم وذكر الناس فإنّه داء» «تنبيه الخواطر ج 1 ص 8».

يشير رسول الله ﷺ إلى بلسم شاف من الأمراض التي تصيب الإنسان وهو ذكر الله تعالى، لما له من تأثير إيجابي بما يرفد به النفوس من ومضات ويرفع عنها أغشية الظلام، والشفاء يشمل الجانب الجسمي لما ورد في الروايات الشريفة من قراءة بعض الآيات بقصد الاستشفاء، وكذلك الجانب الروحي لما يهبه ذكر الله تعالى من طمأنينة ومظلة أمان وثقة بتدبير الله تعالى أمام موجات البلاء العاصفة وتبدل الأيام والأحوال، وإن كان المشار إليه هنا هو الجانب الروحي والقلبي بضميمة وقرينة المقابلة بين شفائية ذكر الله تعالى ومرضية الحديث عن الناس بسوء، وإن كان للحسد والحقد مدخلية في مرض المصابين بها بدنيا.

وذكر الله تعالى شفاء للنفوس من مرض الغفلة والسهو، فالإنسان في سياق انشغاله بملذات الدنيا وتحصيل الجانب المادي من حياته ومعيشته يغفل عن الهدف الأسمى من خلقته، فلا يعد شيئا من زاد العمل الصالح وفعل الخيرات لآخرته، كما أن رقابته على جوارحه من معاقرة ومقارفة الخطايا تضعف إن لم تتلاش مع مرور الوقت، مما يجعله فريسة سهلة للشيطان ونفسه الأمارة بالسوء، فلا ينشط روحه نحو تمتين وتقوية علاقته بربه ليسلك طريق العبودية والطاعة وتكامل النفس وترقيها وتحصيل السعادة والفوز إلا ذكر الله تعالى.

وذكر الله تعالى شفاء من أمراض القلوب والآفات الأخلاقية كالنفاق، فالبعض يخادع الناس بمظهر الصلاح فيتخذ من ممارساته العبادية سبيلا لنيل محبة الناس وتحصيل مكانة بينهم، ولا يزيل عنه هذا المرض القلبي إلا ذكر الله تعالى، فإنه سبحانه مطلع على خفايا الأمور والنوايا ولا يخدع المرء بهذا التلون في الحقيقة إلا نفسه، يوم تظهر الحقائق والسرائر يوم القيامة، وذكر الله تعالى يطهر القلوب من الرياء والتصنع أمام الناس، فالحساب على الأعمال والوقوف بين يدي الله تعالى للجزاء فلا يقبل من عمل الإنسان إلا ما قصد به وجهه الكريم خالصا، وذكر الله تعالى شفاء من مرض قسوة القلب وتبلد الوجدان من الإحساس بمدى ضعف علاقته بالله تعالى وعلى مستوى علاقته بالناس في تلمس حوائجهم ومعاناتهم، فمن ذكره سبحانه انطلق في ميدان العطاء والمساعدة في قضاء الحوائج.

وذكر الله تعالى شفاء من ظلمة الذنوب والآثام التي تدفع المرء بعيدا في دهاليز الجرأة واستصغار الذنوب والاستهانة بفعلها دون الشعور بالرقابة الإلهية عليه، ولا ينتشله من هذا المرض إلا ذكر الله تعالى ليحيي في قلبه استشعار العظمة الإلهية، فيكفيه تلاوة بعض الآيات القرآنية ونزرا يسيرا من الروايات الشريفة التي تتحدث عن العقاب الأخروي للمعاصي، إذ هذه المواعظ النورانية ستشكل مناعة وقوة عنده في تجنب الخطايا.

وفي الجانب الآخر يحذر النبي الأكرم ﷺ من مرض يصيب النفس بالظلمة والقلب بالسوداوية، وهو الحديث السيء عن الناس وتتبع أحوالهم وأسرارهم وجعلها مادة إعلامية تدور اهتماماته ومتابعاته اليومية حولها، إذ يزرع ذلك فيه الفضولية والحسد والحقد والحسد والغيرة السلبية وعقد المقارنات بهم، مما يحيله إلى كتلة هم وأحزان كلما سمع خبرا عن إنجاز أو توفيق لأحدهم، فكفى بذلك خسارة إذ يكون صارفا عن تنمية شخصيته والاهتمام بتحصيل المعارف وتعديل سلوكياته، ويجعله شخصية متكدرة ونكدية وتشاؤمية لا يعجبه شيء ليكون منبوذا بين الآخرين، وهذا بخلاف الخطر الأكبر وهو الوزر والإثم الذي يلحقه جراء ذلك، فالمؤمن يصون نفسه من هذه الأمراض الأخلاقية ليسمو في فضاء التكامل والرقي بحفظ لسانه وسمعه من التعرض للآخرين بغيبة أو نميمة.