آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

التكامل الاقتصادي طريق الوحدة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

بات علم الاقتصاد في العقود الأخيرة المدخل الرئيسي لتعزيز التضامن بين الأقطار العربية، وصولاً إلى تحقيق حلم الوحدة العربية، الذي راود عدداً كبيراً من رواد حركة اليقظة العربية، منذ منتصف القرن التاسع عشر. وربما يعود ذلك إلى كون التوجه نحو الوحدة الاقتصادية يتضمن منافع وفوائد للأقطار العربية المختلفة. وبالتالي يمكن إبراز أهمية قيام أي شكل من أشكال الوحدة، وترويج صيغتها الشاملة عبر التكامل الاقتصادي. ولعل في ذلك جواباً على الذين يعارضون فكرة الوحدة السياسية، باعتبار أنها ستتسبب في حدوث أضرار معينة لمؤسسات وقطاعات اقتصادية ذات شأن في الأقطار ذات العلاقة.

ومن جانب آخر، فإن التركيز على التكامل الاقتصادي العربي، في موضوع الوحدة هو دحض للقول بأنها تنطلق من اعتبارات عاطفية محضة، ولإضفاء الطابع العلمي عليها. فالاقتصاد، بين العلوم الاجتماعية، هو الأكثر دقة، ويستطيع أن يتوصل إلى استنتاجات من خلال بناء نماذج وتحليل فكري متقن، والتوصل من خلاله إلى طرح معادلات وأرقام، توصل إلى قناعة بأهمية تحقيق الوحدة. ويصبح، من خلالها، الإيمان بها، ليس مجرد توق معنوي إلى تاريخ وثقافة وتواصل، بل ضرورة حضارية للعرب، إذا ما رغبوا في أن يأخذوا مكانهم بجدارة في مسيرة التطور الإنساني الصاعدة.

إن إمكانيات الدول الصغرى، والبلدان ذات الثروات والطاقات المحدودة ضعيفة، وغير قادرة على التنافس مع اقتصادات الدول الكبرى. وذلك ما يعطي أهمية قصوى لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، لأنه الوسيلة المثلى لبناء الاقتصادات ذات الأبعاد الكبيرة. ومن غير ذلك تبقى هذه البلدان كسيحة وعاجزة.

والواقع أن المحور المهم في التكامل الاقتصادي العربي، هو علاقته بالتنمية. إذ إن تحقيق هذا التكامل إنما يهدف إلى تحقيق قدر أعلى من التطور والكفاءة الإنتاجية، والنهوض بالمجتمع العربي في كافة المجالات وعلى جميع الصعد، وذلك هو جوهر التنمية.

لقد حظي موضوع التنمية باهتمام عالمي بالغ في العصر الحديث، ليس فقط من قبل الاقتصاديين، بل والباحثين والمختصين في مختلف العلوم الإنسانية، من اقتصاد وسياسة واجتماع وثقافة وفكر. وبقدر ما حظي به هذا الموضوع من اهتمام، فإن التعريفات والتفسيرات والتأويلات والقياسات التي استخدمت لجهة تحديد هذا المفهوم، برزت خلافات شاسعة بين المهتمين به، حول المعايير التي يجب أن تحكم وتوجه العمليات التنموية. ويبرز بشكل خاص الخلاف بين مدرسة الاقتصاد الحر، التي تعتمد على المبادرات الفردية وتحرير الاقتصاد من كل القيود، والمدرسة التي تؤمن بضرورة الاعتماد على التخطيط في كافة المستويات، وتحقيق الملكية العامة لوسائل الإنتاج.

فقد ربطت مدرسة الاقتصاد الحر نجاح الخطط التنموية بمدى تضييق الفجوة القائمة بين مستويات المعيشة في دول الغرب الرأسمالي الصناعي والمستوى السائد في بلدان العالم الثالث، وبالتالي فإن التنمية، من وجهة النظر هذه، تتحقق بالتوسع في استكمال البنية التحتية، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية وسيادة اقتصاد السلع الاستهلاكية وخدمات الرفاه، والاقتراب من نمط الحياة في البلدان الرأسمالية الصناعية، وما يتطلبه تحقيق ذلك من ارتفاع في مستوى الدخل القومي، وليس في تنمية المحركات الاقتصادية الذاتية، وتشجيع التصنيع والإنتاج.

أما نظرية التنمية في بلدان العالم الثالث، التي عرفت بنظرية التطور اللا متكافئ، فربطت عملية التنمية بمجمل عملية التطور في البناء الوطني، كالتصنيع والزراعة والثقافة والإدارة والتقدم التقني وتقليص الاعتماد على الغير أو الخارج، وقيام علاقات متكافئة ومتوازنة مع الآخرين. واعتبرت تحقيق ذلك مرهوناً بإحداث تبدلات رئيسية ومهمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

الهدف الأسمى للتكامل الاقتصادي العربي هو تحقيق التنمية، بما يقتضيه من إجراء تحولات رئيسية في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، والعمل على تنويع وتطوير الإنتاج الوطني بما يؤدي إلى ارتفاع مطرد في المستوى المعيشي لجميع أفراد المجتمع. ووسيلة تحقيق التكامل الاقتصادي، هي انطلاق العملية التنموية من الرؤية الشاملة لإمكانيات الأقطار العربية، وطاقاتها والثروات والموارد التي تزخر بها، وإزالة العوائق التي تقف أمام المشاركة الفاعلة للأفراد والجماعات في كافة الأنشطة التي تدفع بعملية التطور في كافة المجالات.

والهدف هو تحقيق النهضة الحضارية الشاملة، والتغلب على تركة التخلف وتكنيس آثاره المدمرة التي خلقها الاحتلال الأجنبي أثناء وجوده، لأن أي حديث عن الحرية والاستقلال يظل مجرد لغو لا أساس له حين لا يكون هناك مستقبل ونهوض. فبدون تحقيق التنمية لن تكون هناك قدرة على التنافس في الأسواق العالمية، وسيكون السقوط سهلاً في شرك الخضوع والتبعية للهيمنة الأجنبية.