آخر تحديث: 22 / 10 / 2021م - 9:52 م

متلازمة التنوير والدولة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

المراجعات النقدية، التي طالت التنوير الأوروبي وقيمه فرضتها - أولا - مآسي الحروب، التي عاشتها دوله فيما بينها، في حين كان من المفترض أن تفضي بهم التجربة إلى التماهي مع هذه القيم، لا الانحراف عنها إلى ارتكاب الجرائم والظلم وانتهاك الحقوق. وفرضتها - ثانيا - طبيعة الحراك في الفكر الأوروبي، الذي يتسم بالقوة وبالبحث الدائم عن مسارات جديدة في الثقافة والمعرفة والإنسان، وهو فوق كل ذلك يمتلك بصيرة نقدية يعيد من خلالها تركيب المجتمع والفكر والسياسة والتاريخ بما يتوافق ومسار أحداثه أو سردياته الكبرى.

فهذه الطبيعة لازمته منذ انتشار التنوير الفرنسي في عموم أوروبا، فالبريطانيون قابلوه «أي التنوير» بنوع من التوجس، بينما الألمان ربطوا مسألة التنوير بالثقافة والأمة واللغة بخلاف الفرنسيين، الذين ربطوه بمؤسسات الدولة والبرلمان والدستور.

هذه العينة من تلك الطبيعة توضح إلى أي حد كان حراك التنوير يمتلك تقليدا راسخا في الفكر الأوروبي.

لقد أعادت المراجعات النقدية قراءة مشروع التنوير منذ «كانط» انطلاقا من توجهات ليبرالية «هابرماس أو ماثيو أرنولد» أو انطلاقا من توجهات ماركسية «جورج لوكاتش أو غرامشي» ناهيك عن المقاومة المنهجية، التي قامت بالضد من مفهوم الفرد والحدث بوصفهما من أساسيات قيم التنوير، كما هو عليه الحال في البنيوية وتوجهات ما بعد الحداثة.

لكن هذا الحراك، الذي ولّد الاختلاف بين المثقفين والسياسيين والعلماء في الرؤى والحلول والنظرة إلى القضايا الكبرى في الديمقراطية والتمثيل البرلماني ومدونة حقوق الإنسان والاجتهاد في الدين لم تفض إلى العنف أو الاقتتال لسبب بسيط، لقد كانت جميع هذه القضايا تناقش تحت سقف سلطة الدولة ومؤسساتها المدنية، ضمن فضاء التعدد والتنوع وحق الاختلاف والحرية. وهذا الوضع بمثابة حصانة متينة لازمت التنوير منذ تشكل الدولة القومية الأوروبية. عدا هذا التلازم يصعب قيام تنوير لا يرتبط بدولة قوية وحديثة.

خذ على سبيل المثال التنوير العربي، لقد مر بمرحلتين: الأولى مرحلة عصر النهضة، والأخرى مرحلة ما بعد الانتداب أو الاستعمار. في كلتا المرحلتين كانت الدولة غائبة في المرحلة الأولى، وغير مؤثرة في المرحلة الثانية. ومن التبسيط التاريخي أن نقول إن مسألة الإصلاح التنظيمي في الدولة العثمانية المتهالكة تعد بمثابة خطوة في طريق التنوير.

لكن الاجتهادات التي واكبت هذه المسألة كمواجهة الاستبداد «الكواكبي» أو الإصلاح التربوي والعقائدي «محمد عبده» أو تنظيم مؤسسات «الدولة» «خير الدين التونسي» كانت بالتأكيد خطوة على هذا الطريق.

بينما التنوير، الذي ارتبط بمرحلة ما بعد الاستعمار بالنخبة السياسية «العسكرية» لم يكن بالنسبة لهؤلاء سوى قيم إيديولوجية رافعتها الدولة، وكل قيم التنوع الاجتماعي والفكري والسياسي والتاريخي مطرودة من هذه الرافعة. فإذا كانت مشاريع التحديث في مؤسسات الدولة لم تشفع لهم بأن يمتلكوا الشرعية أمام جماهيرهم، فقد أبقوا على سلطة الخطاب الديني في الهامش للاستخدام، متى ما احتاجوا إليه.

سؤالي الجوهري من خلال هذه المقارنة يتمثل في الخلاصة التالية:

مسألة التنوير ليست مشروطة بالتنوير الأوروبي أو غيره، أنها مسألة سيرورة اجتماعية تاريخية ترتبط بكل الشعوب والمجتمعات.

لكن في التاريخ الحديث التنوير الأوروبي خطف الأضواء لأسباب أهمها قوة المعرفة ومركزية الإنسان في هذه القوة.

بيد أن أهم خاصية ارتبطت بهذا التنوير، بحيث لا يمكن إغفالها أو الاستغناء عنها في أي مسألة تتعلق بالتنوير هي علاقته الوثيقة بنشوء الدولة الحديثة بمؤسساتها الديمقراطية والبرلمانية.

لذلك لا يمكن أن يكون هناك تنوير فكري أو ديني أو سياسي أو اجتماعي خارج فضاء مؤسسات الدولة. عدا ذلك لا نجد سوى الفوضى والعنف والاقتتال، والعراق أكبر نموذج، فلا توجد قوة يمكن أن تدير هذا التنوع والاختلاف بحرية وأمان خارج سلطة الدولة.