آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 1:56 م

الطرف الأحادي

هناك قوانين وأسس تحكم العلاقات الاجتماعية لتأخذ بها نحو النجاح والاستمرار والإثمار، كما أنه في المقابل فهذه العلاقة كلما تعرضت لضربات من معاول الهدم الحاوية على تقصير في حق الآخر أو قلة الاهتمام به فإنها تنهار، فالعلاقة الاجتماعية قوامها الاحترام والثقة المتبادلة والتكاتف والتفاهم والحوار حول نقاط الخلاف أو سوء الفهم، وما نراه من علاقات بينما تجدها تقوى وتتطور وإذا بها تأفل شيئا فشيئا وتنهار وقد تتحول إلى خصومة وقطيعة، تتعدد العوامل المؤدية إلى هذا الانهيار ومن ذلك التراكمات السلبية للأخطاء حتى يأتي اليوم الذي تتنافر فيه القلوب ولا تتحمل سفينة الأخوة أن تحملهما حينئذ، فمن أهم مقومات العلاقات الاجتماعية هو مبدأ الاهتمام والرعاية المشتركة، وهذا يشير إلى تحلي الشخصيتين بروح العطاء والبعد عن الأنانية والنفعية الذاتية، إذ هناك من يعشق ذاته ولا يرى غيرها في تصرفاته وتعاملاته، فالتقوقع حول الذات ومنافعها أنانية تصرف النظر عن قانون العلاقات المستقرة والناجحة وهو الأخذ والعطاء، فلا يمكننا أن نتصور نجاحا واستمرارية لعلاقات الأناني الذي يسلط عين جهده وعمله وتصرفاته على ما سيستفيده ويحصل عليه من الطرف الآخر.

ومن موجبات الاحترام والمحبة بين أفراد المجتمع والأصدقاء الهدايا المتبادلة، ولا يخفى على أحد أهمية الهدايا في تعميق العلاقات ونسج خيوط الثقة والانسجام والتقارب، إذ أن بعدها المعنوي يشير إلى اهتمام الطرف الآخر بك ووجود مكانة لك في كيانه ومشاعره، كما أن الكثير من مظاهر سوء الفهم أو الخلاف تبلسمها الهدايا المعبرة عن صدق النوايا والمشاعر، وتخفف من وطء المشاحنات التي قد تنشأ على مستوى العلاقات الزوجية والاجتماعية، ولكن هذا الأثر الطيب للهدايا يحدث نتائجه إذا كان بنحو التبادل وإشعار الآخر بالاهتمام به، ولكن الأحادي الطرف الأناني يحب أن يتلقى الهدايا ولكنه لا يفكر يوما في تقديمها لأحد!!

وتبادل الآراء والأفكار والنقاش الهاديء المثمر يرتكز على طرفين يستمع أحدهما بإنصات للآخر، ويتداخل معه بنقاط تثري ذلك الحوار وتوصلهما إلى نتائج حسنة، وقد يكون الحديث مجرد فضفضة وبث الهموم والمشاكل التي يعاني منها، وبالتالي فذلك يحتاج إلى منصت يتفاعل معه ويبذل جهده لتخفيف الضغوط النفسية عنه، ولكن الطرف الأحادي لا يفكر إلا في نفسه وبالتالي فهو غير مهتم بالاستماع للطرف الآخر فضلا عن وجوده وقت الشدة عند أصحابه، فهو حينما يحتاجهم للترفيه عن نفسه يجدهم حاضرين، بينما هو يتذرع بمختلف الأسباب للانسحاب وقت حاجتهم له!!

يحب الطرف الأحادي أن لا يسيء الآخرين فهمه أو الظن به حينما يتكلم بشيء أو يتصرف تصرفا ملتبسا، فما يؤمله أن يحسنوا الظن به ويحملوا فعله على محمل الخير ويجدوا له مخرجا من اتهامه، بينما هو يحمل حساسية مفرطة تجاه تصرفات الآخرين ويؤولها دائما باتجاه السوء وإرادة الشر ولا يلتمس العذر لأحد، فضلا عن قبوله للاعتذار حينما تقع هفوة غير مقصودة بحقه.

والمعاملة الحسنة والكلمة الطيبة أثرها كبير على النفس وتقوي العلاقة بالآخرين، فهي تشعر بالمقبولية والمحبوبية في المحيط الاجتماعي، بل إن المجاملة الصادقة المشجعة تعطي مفعولها في دعم الطرف الآخر، بينما هو يمتاز بالجفاف العاطفي والبخل في المشاعر والكلمة، وهو ما يجعل وجوده في حياة أي واحد عديم الفائدة والجدوى.

مثل هؤلاء لا يستحقون الاهتمام والانشغال بهم ما لم يقم الواحد منهم بتغيير نفسه والتفاعل الإيجابي مع محيطه والتخلي عن أنانيته، فعليه أن يحاسب نفسه ويلومها ويتفقد من حوله إن أراد معاملة حسنة تبادلية.

من يعقد علاقة مع الفرد الأناني المصلحي سيدخل في دوامة نفسية مردها سقف توقعاته من تعامله الحسن معه، وفي المقابل لا يرى منه إلا التجاهل والجفاف العاطفي وعدم التفاعل مع محطات حياته بكافة أشكالها.

العلاقة الناجحة تقوم على مبدأ التفاعل والاهتمام المتبادل، ولابد من بذل الجهد والوقت الكافي للاهتمام بالمحيط الأسري والاجتماعي بنا، وإلا فإن المنفعية والأنانية تقطع حبال المودة ويتسرب الأوفياء الصادقون من بين أيدينا.