آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 12:21 ص

المظهر طريق للمخبر

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

للمظهر والمخبر علاقة عضوية كل يوثر على الآخر فلا يمكن أن يكون اللبّ سالماً إذا كان القشر فاسداً. فكما لللبّ قيمة اعتبارية فالفضل في سلامته لذاك القشر الذي حافظ عليه وصانه من كل سوء. إن الرائج السائد اليوم في حياتنا اليومية انشغال الكثير في إصدار الأحكام على مخبر الأشخاص ولم يكلفوا إلا بالحكم على المظهر لا أن يشق عن قلب كل امرئ لمعرفة ما به.

قد يظن الكثير أن شدة العناية بالمظهر في ارتداء أرقى الماركات العالمية و الحلي و المكياج غطاء سميك يستر عيوب الداخلو الشيء الرائج الآخر هو الترويج إلى أهمية العناية بالمخبر - وهو بلا شك مهم - ولكن ليس على حساب المظهر، فكما أسلفنا لا لبَّ سليماً دون قشر متين. إن العناية بالمظهر في جانبيه المعنوي والمادي هو الطريق الذي يجعل المخبر في أشد أحواله صحة وسلامة. فالابتسامة والكلمة الطيبة والتحية بوجه منشرح لا تؤثر على غيرك فحسب بل لها الأثر الأول في جعلك في أحسن أحوال الارتياح والانبساط.

إن الذي يسري من الخارج إلى الداخل من قول وفعل وتأمل أثره على المخبر أعظم من العناية بالمخبر فحسب. والمظهر هو المرآة التي تعكس كل ما يجول ويدور في المخبر فلا تختلج النفس بحركة أو سكنة إلا وانعكست على صفحات الوجه واللسان فكم من مظهر براق وجذاب فضح بمحض الحديث فلا عجب في «المرء مخبوء تحت طي لسانه».

قد يظن الكثير أن شدة العناية بالمظهر في ارتداء أرقى الماركات العالمية والحلي والمكياج غطاء سميك يستر عيوب الداخل، بل على عكس ما يظن هو أكثر فضحاً ومدعاة لكشف حقيقة ما يجول في الداخل لأن قوة الظهور تشدد على حقيقة الذات ومدى أصالة المخبر.

العالم الذي نعاصره صفحة معبرة عن هذا التلازم بين المظهر والمخبر ويعكس في تناقضاته التضارب بينهما كالتناقض في القول والتناقض في السلوك وحفظ المخبر على حساب المظهر. إن هذا الطغيان المظهري لهذه الظواهر من التناقضات تشكّل الوجه السائد من حياتنا المعاصرة. إنه انفصام واضح لمفاصل الترابط بين المخبر والمظهر بل تقابل واضح وحرب طاحنة بينهما. فكم من حديث فيه الخطاب الأخلاقي والمعنوي يصكّ آذاننا ولكن لا يدفع نحو اعتدال المخبر وسلامته ليصبح العدل وأداء الحقوق واحترامها وسلامة الصلات الأخوية والإنسانية في أوجها.

إنه تناقض بين القول والفعل، فالقول الذي يرتطم بجدار التناقض لا يصدر من أعماقه سلوك صالح. إن حقيقة الحديث المعنوي والأخلاقي في عالمنا في صريح التناقض مع أدائنا وإنتاجيتنا، وعلى رغم قلة هذا الخطاب ومحدوديته في المجتمعات الأخرى يصبح المظهر الجاد المعبّر عن الدقة والأمانة والالتزام والاحترام لقيم الصدق واحترام الآخر وحفظ حقوقه معلماً لا يمكن تخطيه.

و هكذا فالمخبر الطاهر الذي لا ينعكس بمظهر مشرق فهو لا يعتبر إلا جوهرة لفّت بخرقة بالية. إن هذا الصراع الإنساني العالمي المحتدم تعبير لا يمكن تعليل جذوره إلا عبر هذا التناقض والتضارب بين المظ‍هر والمخبر. إن عالمنا اليوم ابتُلي بهيمنة مخبر فاسد خبيث ملفوف بظاهر يفتعل الطهارة والقدسية وآخر ذي مظهر رث بال متخلّف لمخبر يتصنّع الزهد والطهارة.