آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 9:53 م

رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي: دارين والقطيف كيان واحد

جهينة الإخبارية حوار/ سلمان العيد - مجلة الخط العدد 29
رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي
رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي
  • عوامل تربوية وعائلية جعلتني أجمع بين «التراث» و«السباكة»
  • الحفاظ على التراث مسألة مهمة فمن لا ماضي له لا مستقبل له
  • علينا إعادة القيم المعنوية التي يتمتع بها آباؤنا وأجدادنا
  • تعايش أجدادنا مفخرة لنا.. وكلنا أمام الله سواء
  • كوني صاحب مهنة فأنا سعيد بكل لاجرءات تجاه العمالة السائبة
  • دارين والقطيف كيان واحد جمعهما الفضاء الواحد والمصير المشترك

ورث حب التراث من والدته، وورث حب العمل اليدوي في السباكة والكهرباء من والده، وبين هذين التوجهين صيغت شخصية ضيفنا فتحي بن أحمد البنعلي الذي هو ابن دارين البار، الذي كان أحد الداعين للإهتمام بوضع هذه الجزيرة وتاريخها وتراثها، فأنشأ متحفا خاصا به يحكي تاريخ هذه الجزيرة ويرصد معالم آثارها، قبل أن يحصل على الدعم المادي والمعنوي من قبل الهيئة العليا للسياحة والآثار..

ضيفنا يحمل طيبة أهل البحر، وطموح أهل البحر، وجموحهم يؤلمه ما يجري للتراث كما يؤلمه ما يعيشه مجتمعنا من أوضاع غير مقبولة من دعوات تأتي هنا وهناك تتبنى التفرقة والتجزئة بين أبناء المجتمع الواحد.

فماذا يقول البنعلي؟ كل ذلك في الحوار التالي:

لقاء رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي

كيف كانت البداية العملية والحياتية؟

ولدت في جزيرة دارين، عام 1387 هـ في الجهة الشرقية في فريق البنعلي، عشت فترة الطفولة مقابل البحر والعيون والمزارع التي تضمها جزيرة تاروت، كنا نمرح ونعتقد أن اتجاه سريان حمام تاروت يصل إلى البحر، أي أنه اشبه بنهر النيل الذي يصب في البحر المتوسط، وجاء المرحوم ابراهيم الهارون «جد الحاج عبدالرزاق، وليس إبنه المربي ابراهيم الهارون» وقام بحفر عين ارتوازية في دارين سميت بـ «عين الهارون» وقام بتقسيمها الى قسمين، للنساء وللرجال، وأقام بجوارها دورات مياه، إضافة إلى بركة صغيرة للأطفال، وكنا جميعا نسبح بها بعد سباحتنا في البحر، ثم بعد ذلك اقيمت عين أخرى تحت إسم «عين أبو عايشة» نسبة الى العائلة الموجودة في دارين وانتقلت الى الدمام، والذين كانت لهم أيضا مزرعة يطلق عليها مزرعة أبوعايشة على الطريق بين دارين وتاروت.. وحينما افتتحت المدارس أنهيت المرحلة الإبتدائية في دارين، ثم المتوسطة في مدرسة تاروت المتوسطة، الواقعة ايضا في الطريق بين دارين وتاروت، وهي لا تزال قائمة بعد تجديدها ويطلق عليها مدرسة الساحل المتوسطة، وكذلك أنهيت المرحلة الثانوية في مدرسة تاروت الثانوية، ولم أشأ إكمال الدارسة الجامعية، فالتحقت بالعمل في إدارة التعليم ولمدة سنة، ثم التحقت في الشركة السعودية للكهرباء «سكيكو» في الأمن الصناعي، وبقيت في هذا المجال 23 عاما، ثم تقدمت للحصول على التقاعد المبكر، واتجهت الى أعمالي الخاصة، والعمل في مهنتي ومهنة والدي في السباكة والكهرباء، فافتتحت محلا لتجارة المواد الصحية والكهربائية وهو مصدر رزقي في الوقت الحاضر.

خلال هذه الفترة هل وجدت فارقا بين الماضي والحاضر؟

ربما كانت بعض التغيّرات في منظومة العلاقات الاجتماعية، فقد كنّا في السابق نرى كبار السن يجلسون أمام بيوتهم، ويجتمعون في جلسات اجتماعية وديّة، وهذه العادة شبه نادرة في الوقت الحاضر، وليس لها أي تفسير سوى أن ثمة تغييرا جرى في النفوس، والحياة المدنية أخذت الناس عن بعض سلوكياتهم الجميلة، فما عادت الناس تسأل عن بعضها، فلا الجار يدري عن جاره وصديقه.

وكيف نمت حالة حب التراث والتحف والصور القديمة لديكم؟

في الواقع إن الاهتمام بالتراث جاء عن طريق الوالدة «يرحمها الله» التي كانت تحب الأشياء القديمة، وكانت تقتنيها فجمعت لنا مجموعة من المباخر والجرّات والمناظر، هذه الأشياء التي يقوم الناس برميها والتخلص منها، كنا نقوم بالاحتفاظ بها، وكانت الوالدة قد خصصت لنا غرفة لهذه الأشياء، وكانت تنهانا عن رمي أي شي تعتقد أن له قيمة أثرية، وإني أتذكر أني اشتريت «مبخرا» كبيرا من سوق الخميس بالقطيف، وبعد أن تعرض لبعض التلف أردت رميه، أخذته الوالدة ونقلته الى الحجرة، فمن هذا التوجه، وهذا الإهتمام من قبل الوالدة نمت لدي حالة حب اقتناء التحف، فأقمت لي مستودعا لهذا الغرض، وقمت اشتري بعض القطع من هنا وهناك، من المنطقة الشرقية ومملكة البحرين وسلطنة عمان، وإذا لم أتمكن من ذلك أكلف شخصا ما بذلك، وكنت أسأل الكبار عن بعض التحف وكانوا يعطوني بعض المعلومات ويرشدونني على مواقعها وكيف يمكن الحصول عليها، بعد ذلك طرأت لي فكرة وهي إنشاء متحف، ولم يكن لدي محل، فاشتريت هذا المنزل القديم الواقع قرب قصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، وقمت بترميمه بمساعدة بعض الشباب، فحصلت على دعم معنوي ومادي من قبل الهيئة العليا للسياحة والآثار لجعل الموقع للزوّار، وقد زارنا عدد من المسؤولين عن السياحة، والمتحف هو ديوانيتي الخاصة التقي فيها ضيوفي وزوّاري.

لقاء رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي

وهل قمت باكتشاف بعض التحف؟

لقد كنت ألاحظ أي حركة في المنطقة، فذات يوم كنت مارا قرب إحدى الأراضي التي يتم حفرها بغرض البناء فلفت نظري بأن هذه الأرض غير طبيعية، فاتصلت بالهيئة العليا للسياحة والآثار فجاؤوا وكلموا صاحب الأرض الاخ محمد عبدالله العواد الذي تجاوب معهم فوافق على التنقيب في أرضة وتم لهم ذلك، وبالفعل تبيّن أن الأرض موقع أثري قديم، وقد حصلوا على قطع نقدية، ومقتنيات أثرية وتماثيل وجدران مرسوم عليها نقوش نادرة.

وماذا تتذكر من عملية الاكتشاف هذه؟

ذات يوم زارنا مسوؤل في الهيئة العليا للسياحة في الرياض برفقة المدير الإقليمي للمتحف الوطني بالدمام عبدالحميد الحشاش، وكانوا يريدون النظر إلى الموقع المذكور، وكانت هناك تلة من رمل، وكان الحشاش يشرح للمسوؤل أهمية هذا الموقع وماذا اكتشف فيه، بينما هو كذلك إذ تعثرت أنا من التلة وسقطت على قطعة أثرية، رفعتها كاملة مصنوعة من الخزف، لم يجد الحشاش بدا من التأكيد على أهمية الموقع بهذا الدليل الإضافي فتم نقلها فورا إلى المتحف، فرغم أهمية هذا الموقع لكنّي أجزم بأن في قصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني ما هو أكثر وأغنى لأن الرجل كان ثريا ولم يكن ليقيم قصره إلا بأشياء ثمينة.

وكيف كانت عملية الاهتداء إلى أهمية القصر «قصر الشيخ محمد الفيحاني»؟

القصر بعد التفت القائمون على السياحة والآثار اكتشفوا فيه غرف تحت الأرض، لأن الشيخ الفيحاني كان ثريا يخزن أمواله وثروته «وكلّها ذهب وفضة» في مستودع أو مخزن تحت الأرض، لأن قصة مجيئه إلى دارين معروفة فهو رجل ثري من قبيلة السبيعي ممن عاشوا في قطر، وكان يسمى بـ «الشيخ» لما كان يملكه من أموال طائلة، ولسبب ما جاء الى دارين وبحكم ثرائه وقوة شخصيته صار حاكما على دارين، رغم أن عائلة البنعلي كانوا أقدم منه، وأكثر عددا، لكنه كان أكثر ثراء منهم.

لقاء رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي

في المتحف الخاص بك كم قطعة موجودة فيه؟

في المتحف ما يقارب 160 ـ 180 قطعة أثرية، تم جمعها في غضون 6 سنوات، وأقدم قطعة هي صندوق للوالدة من زواجها من الوالد الله يحفظه، وكلها تحكي تاريخ هذه المنطقة وليس شيئا آخر.

في ختام هذه الوقفة ماذا تقول؟

أقول أن من المهم الحفاظ على التراث، فمن ليس له ماض ليس له حاضر وليس له مستقبل، فلا ينبغي أن نطمس تاريخنا بأيدينا، وقبل ذلك علينا تسليط الضوء على القيم المعنوية التي كانت سائدة وهي في طريقها إلى الانقراض، منها المجالس المفتوحة، فصاحب المجلس حتى لو كان ذاهبا الى البحر فإن بعض أولاده أو عمّاله يتواجدون لاستقبال الضيوف، ففي أحد المجالس قد كتب بيت الشعر المشهور: «ياضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل».

هذا يقودنا الى موضوع وهي العلاقة بين دارين والقطيف، كيف كانت وإلى أين تسير؟

العلاقة عضوية، كائن واحد، يحمل طابعا واحدا وسلوكا واحدا، عايشنا جزءا من هذه الصورة في القديم، ونعيش اليوم صورا أخرى في الواقع الحالي، فقد كان أهالي دارين يعملون في البحر فقط، وأهالي تاروت يعملون في الزراعة فقط، لكن وضعا ما أرغمهم للعمل في البحر، لما يحمله البحر من عائد مجز، فأهل دارين ـ رغم توجههم البحري ـ فهم مرغمون لأن يأخذوا التمر وغير التمر من أهل تاروت، والعكس صحيح، بعد ذلك تمت تحالفات قوية للدخول في البحر وهناك قصص كثيرة يرويها الأجداد حول ذلك، فظهرت قيادات بحرية «نواخذا» من سنابس والزور وتاروت، إضافة إلى نواخذا البحر من دارين، ولم يكن هناك مانع ولا عائق للتعاون والتحالف، ولم تنشأ بينهم حروب كلامية ولا غير كلامية، رغم وجود الاختلاف في المذهب، والتاريخ والحاضر يثبت ذلك.

وكيف ترون الواقع على ضوء التطورات الإقليمية والأحداث الكثيرة التي نسمعها؟

التعايش بين أجدادنا هو مفخرة لنا، فقد كان النواخذا في دارين يعطون العامل الذي من تاروت إجازة عمل مدفوعة القيمة في شهر محرم، ويقدمون له هدية أخرى تبرعا لمأتم الحسين «رضي الله عنه».. واليوم لا بد من التذكير بأننا في أرض واحدة، ووطن واحد، وقبل ذلك كلنا أمام الله سواء، وكل شخص سوف يثاب أو يعاقب بعمله. هذه الصورة التي ينبغي أن يفهمها الجيل الجديد ويتعاطى معها، وأما المشاكل التي نسمع عنها من حولنا فهي لا تخدمنا، فنحن في أرض علينا أن نبني أرضنا ونطوّر اقتصادنا، ونحافظ النعم التي حبانا الله بها ومنها نعمة الأمن.

لقاء رجل الأعمال والتراث فتحي البنعلي

قبل الختام قلت في سيرتك الذاتية أنك اخترت السباكة والكهرباء، وليس شيئا آخر، ما سر هذا التوجه؟

في الواقع بعد التقاعد المبكر، لم يكن مناسبا أن أبقى عاطلا بلا دور، وكل واحد في هذه الحياة لابد أن يكون له مصدر رزق، لذلك توجهت إلى تجارة المواد الصحية، فهي أولا مهنة الوالد الذي كان عاملا سباكا على مستوى عال، يحب هذه المهنة، يزاولها حتى وهو في سن الثمانين «الله يعطيه الصحة وطول العمر»، وكان هذا المحل موجودا لدينا حينما كنت أعمل في سكيكو، وبعد التقاعد تفرّغت للعمل فيه، بعد أن كوّنت لي مبلغا ما، وفتحت المحل.

على هذا الصعيد ما أبرز التحديات التي تواجهكم؟

أبرز مشكلة لدينا هي العمالة السائبة، التي ما فتأت تزعجنا، وتقلقنا، ولعلي أكون أحد الأفراد الذين يشعرون بالسعادة جرّاء ما تقوم به الجهات المعنية بحقهم، ذلك كوني صاحب مهنة وهم ينافسونني بطريقة غير علمية وغير شريفة

في رأيك ماذا ينبغي أن يكون حتى لا نواجه مثل هذه المشكلة؟

ينبغي على صاحب العمل أن يكون مشرفا على عمله، وقبل ذلك عليه أن يكون ذا خلفية ومعرفة بنطاق عمله، فكيف يكون الواحد منّا مقاولا وهو لا يعرف بتفاصيل البناء والخرسانة والإسمنت والطوب، والحال نفسه بالنسبة للسباكة كيف أملك محلا للسباكة وأنا لا أعرف شيئا عنها وعن آليات عملها، لذلك المثل الشعبي يصدق حينما يقول: «إعط الخبز خبّازه ولو أكل نصفه»، من هنا نجد تفسيرا دقيقا لكل من يدخل هذه القطاعات ثم يفشل ويخرج من السوق، لأنه لا يملك خلفية، ولم يسع لأن يجعل لديه المعرفة اللازمة التي تؤهله لإدارة عمله.

بالنسبة لك ماذا عملت حتى امتلكت ناصية السباكة والكهرباء؟

كما سبق القول إني اخذت مهنة السباكة من الوالد، والكهرباء أنا اكتسبتها بالتجربة، ومن خلال فترة عملي الطويلة في الأمن الصناعي بالشركة السعودية للكهرباء «سكيكو»، وقمت بعد ذلك بتطوير نشاطي بعد أن حصلت على دعم من البنك السعودي للتسليف والإدخار، وبدعم من مركز ريادة، هذا الدعم الذي تقدمه الحكومة الرشيدة من أجل السعودة ودعم المشاريع الخاصة، وقد أفادني أحد المسؤولين بأن كثيرا ممن حصلوا على الدعم لايستمرون في العمل، والسبب ـ من وجهة نظري ـ أنهم لا يملكون أدوات المهنة ومتطلباتها، فكانوا يريدون القرض للقرض.

أليست هناك أسباب أخرى نفسية واجتماعية تدعم هذا التوجه، وتحقق الاستمرار؟

نعم هناك سبب وجيه بالنسبة لي، وهي إني كنت أهوى المهنة، وأعمل بيدي، وإذا كان هناك عامل معي فهو يعمل تحت إشرافي ومتابعتي ورقابتي، لذلك أجد أن عملي يسير بالشكل الصحيح، وأتمنى أن أكون في يوم ما مستشارا فنّيا لإحدى شركات المقاولات الكبيرة للحفاظ على جودة العمل حفاظا على جودة النتائج.

تحدثت عن العمالة السائبة، وسلبياتها، ولكن ألا ترى أنها حقيقة قائمة قبال النقص الحاصل في الكفاءات الوطنية السعودية؟

تلك ناتجة عن تلك بكل أسف، فالسباكون السعوديون قلّة، ولا حل سوى أن يتبنى المعهد المهني تخريج العشرات من الشباب للعمل في هذا المجال، فهو مجال ينطوي على عائد مادي غير طبيعي، فعملية تبديل سخان الماء وتركيبه بـ 100 ريال، لا تستغرق أكثر من نصف ساعة، وتركيب الخلاّط بـ 20 ريالا والعملية لا تزيد عن عشر دقائق، وهكذا فهناك الكثير من المجالات التي لا تتطلب مجهودا كبيرا ولكن عائدها ممتاز.

في ختام الحوار ماذا تحب ان تقول؟

أشكر مجلة الخط، وأخص بالشكر الأخ العزيز فؤاد بن نصر الله على ما يبذله من جهود جميلة في رفد الحركة الثقافية في محافظتنا محافظة القطيف والله يوفقكم لكل خير.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
احمد منصور الخرمدي..أبوكمال
[ تاروت ]: 26 / 6 / 2013م - 5:16 ص
أن الكلمات لا تفي ... واللسان قد يعجز عن تعبير المضمون وما يستحقه هذا الشخص من الشكر والثناء .... وماهو متناسب مع ما يقوم به شخصه الإنساني الوفي والكريم وبقية الأخوة الأفاضل
أخوة أعزاء أحترمونا وحبونا ونحن كذلك ... عشنا سويآ ومازلنا نتعايش بالموده وحب الوطن ......للحديث بقية ... أنشاء الله .