آخر تحديث: 22 / 1 / 2021م - 11:31 م

الدولة والمجتمع

محمد الحرز * صحيفة الشرق

التعبير عن الهوية الوطنية في المجتمع السعودي يكاد لا يؤثر في مجمل الهويات الأخرى التي ترتبط بالفرد. على اعتبار أن الهوية الوطنية هي بناء تربوي يهيئ الفرد روحياً وثقافياً ليقبل شراكة الآخر في الجغرافيا، ويتصالح معه على التاريخ، ويبني معه المستقبل، في ظل رؤية تعاقدية قانونية ترعاها الدولة وتنهض عليها، بل الغلبة في مجمل الأحوال، إذا طرحت أي قضية أو تم تداول أي أزمة في المجتمع. لا أجانبُ الصواب إذا ما قلت إن البون الشاسع بين الدولة والمجتمع يتمثل في الغياب التام لهذه الهوية الجامعة لكل أطياف المجتمع وألوانه المتعددة.

فما بين التعبير عنها، وبين غيابها التام، هناك تاريخ للإخفاق في بنائها سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، وسأحاول في هذه المقالة تأمل مآلات هذا التاريخ ومساراته وتأثيراته بشكل عام.

لا يختلف المجتمع السعودي عن بقية المجتمعات العربية الأخرى، من حيث التكوين القبلي والمذهبي، ولا يخلو الوضع من تداخل في الواقع بين الاثنين عند الفرد أو عند مستوى معين من العلاقات الاجتماعية. ناهيك عن ناحية أخرى من التداخل بينها وبين بعض القوميات والإثنيات كالأكراد على سبيل المثال. لكننا هنا حين نضع القبلي إزاء الطائفي «وأنا أستخدم مصطلح الطائفي بنفس المعنى الذي أستخدم فيه مصطلح المذهبي، رغم الفروقات التاريخية بينهما حتى أدلل على أن الفرز بينهما لم يحظ بالدراسة الكافية في مجال الخطاب فضلاً عن الثقافة الشائعة»؛ كي نؤكد على حقيقة مفادها أن المجتمع السعودي، في بعض مدنه تكون الهوية الطائفية هي العنوان الذي يحكم العلاقات بين الناس، ويؤثر على رؤيتهم للحياة في شؤونهم اليومية، وفي بعضها الآخر تكون الهوية القبلية هي المرجع والمآل في تلك الشؤون أيضاً، رغم أنني أحذر تماماً من هذا الفصل الحاد بين الاثنين؛ لأن التجربة الواقعية للمجتمعات تخبرنا عن الصعوبة التي تواجهنا حين نضع حدوداً وفواصل في العلاقات التي تجمع الناس. لكن تقسيمنا هنا إجرائي لأجل التحليل، لا أقل ولا أكثر.

إن هذا التباين في الهوية بين مدن المملكة لم يكن يُلغي التعايش السلمي الذي كان سائداً منذ تشكل المملكة على يد جلالة الملك المغفور له عبدالعزيز «رحمه الله»، ولم يكن يؤثر أيضاً في مسيرة بناء مؤسسات الدولة، رغم الصعوبات التي واجهتها في هذا الإطار. التعايش على الروابط التقليدية بين الناس كان السمة الغالبة لدى كثير منهم، وما نعنيه بالروابط التقليدية هو روابط ما قبل ترسيخ دولة ما بعد الاستعمار في عموم المشرق العربي، حيث مثل هذه الروابط استمرت تؤثر في مجتمع الجزيرة العربية، وتعطيه صفته العامة التي تميزه عن بقية المجتمعات العربية الأخرى. إن أهم سمة من سمات هذه الروابط هي انحسار تسييس المجتمع، بالرغم من المد الناصري الذي ظهر في الخمسينيات والستينيات، وظهور بعض الأدبيات الماركسية والشيوعية التي لم ترقَ إلى مستوى التنظيم.

قد يرى بعضهم أن ربط سمة التعايش بعدم تسييس المجتمع هو مغالطة كبرى، لأن تسييس المجال العام هو إحدى نتائج تحديث المجتمع والدولة في نفس الوقت، ولأن أيضاً مثل هذا التسييس يعني فيما يعنيه مناقشة قضايا الناس وهمومهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية ضمن علاقات وأطر سلمية، لا تفضي بالضرورة إلى انحسار التعايش بين الناس أنفسهم، بل العكس هو الصحيح، حيث تعزيز الوحدة الوطنية والهوية الجامعة هو الطريق الوحيد الذي يسلكه مثل هذا التسييس، وهذا هو ديدن المجتمعات التي خاضت غمار الديمقراطية ورسخته في الدولة ومؤسساتها. ربما تكون لهذا الرأي وجاهته من ناحية، فقد أدى في التجربة العربية إلى تحديث المجتمع دون أن يستتبعه تحديث للدولة ومرافقها، فالصراع على السلطة طبع تاريخ التيارات السياسية التي رفعت شعار الإصلاح والتنمية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعسكري. وكان من نتاج ذلك عسكرة الدولة وتأدلج المجتمع رغم حداثته. لذلك كان هناك تواطؤ ضمني بين الدولة والمجتمع يتمثل في المعادلة التالية: تحديث المجتمع على المستوى الاجتماعي والثقافي يقابله استبداد سياسي في المجال العام كما في الشام والعراق. هذا ما يجعلنا من ناحية أخرى نتحدث - بالنسبة لهذا الرأي - أن له مخاطره وانزلاقاته التي تقضي على التعايش والسلم الأهلي، وهناك ألف شاهد وشاهد على ذلك، ليس الآن محل استشهاده. يكفي أن نشير إشارة عابرة لتاريخ لبنان ودخوله في الصراع الأهلي والطائفي طيلة خمس عشرة سنة، والصراع الدائر الآن في سوريا، وليس بعيداً منه الانقسام في المجتمع المصري الذي سيؤدي، إذا ما استمر هكذا، إلى الصراع ذاته.

أما المجتمع السعودي الذي لم يعرف التسييس بالمعنى الذي طرحناه، فقد ظل الاستقرار والأمن هما من أهم الركائز التي يتغذى عليها مثل هذا التعايش، رغم التحولات السياسية الإقليمية التي طالت العقود الأخيرة من تاريخ المنطقة. وإذا كان الموروث العريق للتعايش يحصن مجتمعنا من الآفات السياسية وانقساماتها كما رأينا في المجتمعات الأخرى، فإننا أيضاً نتخوف من الانقسامات بنفس القدر الذي شهدناه في تلك المجتمعات. هذه المخاوف تنبع من مصدرين يتعلقان أساساً بغياب الحياة السياسية ليس كتيارات وأحزاب، وإنما كأدبيات وثقافة وتربية، الأول منهما هو تحويل القضايا السياسية من المنظور السياسي إلى المنظور الديني، وخلط هذا بذاك. الأمر الذي يؤدي إلى شحن هذه القضايا بتوترات تستعمل فيها جميع الأسلحة الطائفية والقبلية إذا استدعى الأمر ذلك. ثاني المخاوف يتمثل في لغة الخطاب التي تتناول مثل هذه القضايا والمواقف، وهي في أغلبها لغة لا تصلح للتداول، بل تسبب التنافر بين جميع فئات المجتمع، فلغة الخطاب هي في الأساس تعتمد على الحوار والإصغاء والاستماع. لذلك تفريغ هذه القضايا من مضمونها السياسي يستتبعه بالتأكيد سقوط لغة الخطاب وتعبيراته في مستنقع الطائفية، ومن ينظر إلى الكويتيين والبحرينيين يرى بحكم تجربتهم السياسية - ولا أقصد هنا فقط الأحزاب والتنظيمات، وإنما بالدرجة الأولى الثقافة السياسية - الفرز بين تلك القضايا التي تمس السياسة، وتلك القضايا التي تمس على سبيل المثال الثقافة والمجتمع. فهل هذه تشكل أحد التناقضات التي يعيشها مجتمعنا بين متطلبات السلم والتعايش من جهة، وفقدان الحياة السياسية كأدبيات وثقافة من جهة أخرى؟!