آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 12:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

يابانية في الفلوجة!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

«سُئل أحد الحاخامات: لماذا صُنّف طائر اللقلق في اللغة العبرية بأنه طائر قذر؟ أجاب: لأنه لا يمنح حبه إلا لأفراد عائلته». ويزيد عليها المفكر البحريني البارز الدكتور نادر كاظم: «.. وجماعته وطائفته وقوميته»!

في عام 2004 قُتل صحافي ياباني اسمه «شينسوكي هاشيدا» يبلغ من العمر «61 عاما»، وكان يعمل مراسلا حربيا في مدينة الفلوجة العراقية. ومثّل مقتله حدثا مأساويا بالنسبة لزوجته، منذ ذلك الوقت فكرت فيما تقدمه لذكرى زوجها فلم تجد سبيلا أفضل من التسامح والعطاء طريقا لتخليد ذكراه.

تبنت هذه السيدة حملة لجمع التبرعات تمكنت خلالها من إقناع الحكومة اليابانية تقديم 17 مليون دولار لبناء مستشفى في مدينة الفلوجة. قبل الزوجة اليابانية، كان زوجها القتيل هو الآخر يقدم نموذجا إنسانيا راقيا، فقبل مقتله التقى بفتى عراقي من الفلوجة نفسها اسمه محمد هيثم، كان قد أصيب أثناء المعارك بشظية في عينه، وتبنى الصحافي الياباني علاجه، وكان هذا الشاب العراقي حاضرا في حفل افتتاح المستشفى قبل أيام. وتقول السفارة اليابانية في بغداد إنه تم تأسيس صندوق باسم «صندوق هاشيدا - محمد» قدم الأجهزة الطبية وساعد أطباء الفلوجة على أن يتدربوا في اليابان.

ما فعلته السيدة اليابانية نجد نماذج له في دول الغرب، قبل سنوات كنت أشاهد سيدة إنجليزية خمسينية تقوم كل صباح بمساعدة الأطفال من طلاب المدارس على عبور الطريق، فقد كانت ترفع لافتة تطلب من السائقين الحذر ثم تقوم بإيقاف السيارات تماما عند ممر المشاة حتى يجتاز التلاميذ الطريق بأمان، ولم يكن يمنعها هطول الأمطار أو برودة الطقس، فيما بعد قرأت في صحيفة محلية أن هذه السيدة فقدت طفلها الوحيد في حادثة دهس، لكنها نذرت نفسها لحماية الأطفال الآخرين من مخاطر الدهس على الطرقات.

هذه ثقافة جديدة، تقدم منتجا متحضرا وإنسانيا راقيا. لا علاقة له بكل الأدبيات المتوحشة التي تدعي تفويضا إلهيا لاحتكار الحياة وتوزيع الإبادة على البشرية. ثقافة نادرة فعلا مهما كان مكانها، لكنها هنا تأتي من عوالم طالما تم النظر إليها على أنها خاوية من الحس الإنساني فإذا بها تضرب أروع الأمثلة في التسامح والتفاني والعطاء ونكران الذات والتطهر من العدوانية والانتقام والتشفي.

هذه الثقافة مقطوعة الصلة تماما عن ثقافة أخرى نعرفها ونعاني منها، تسلط كل الأدوات المتاحة بما فيها الصفاء الروحي والاتصال بالخالق عز وجل عبر «الدعاء» لقصف تسعة أعشار البشرية بأسلحة الإبادة الشاملة من «تجفيف أصلابهم، وتشتيت شملهم، وتيتيم أطفالهم، وترميل نسائهم، وتخريب بنيانهم، وإصابتهم بالأمراض وغيرها»، هي ليست مجرد ثقافة غير متسامحة وأنانية، هي أيضا غير إنسانية ولا تتوافق مع المعيار الآدمي للسلوك المتحضر، هي قطعا لا تنتسب للسماء مثلما أنها لا تنتسب للأرض التي وضعها الخالق للأنام، وهي ثقافة تفقد إمكانية التخاطب مع العالم، والتفاعل معه، والتأثير فيه.. ثقافة لا تنظر أبعد من حدود الـ «أنا».. فـ «إذا متُّ عطشانا فلا نزل القطرُ»..!