آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

حضرة المواطن

خضرة روح

بثينة النصر صحيفة عكاظ

يسجل حضورا متواضعا هنا كل أسبوع أبعد ما يكون عن الصورة النمطية الضيقة الشائعة عنه.. التي ربما يصدقها هو عن نفسه أحيانا...!

***

ولدت شقراء، وفي قريتي الصغيرة يعتبر ذلك امتياز. نشأت وأنا انظر إلى السيدات الفاضلات وعيونهن تكاد تلتهم بشرتي البيضاء، يمتدحن انسياب خصلات شعري الذهبية، دون أن تمني نفسها أي واحدة منهن بأن يحظى ابنها بي زوجة مستقبلا..! عيوني الخضراء لم تنسجم يوما مع شيء في محيطي كانسجامها وخضار الأرض. خالص الشكر لجدي الحبيب، فهو مثلي صامت لا يبوح إلا للشجر ولا يبتسم إلا للثمر والحصاد. حين كان «ابنه» والدي، يلهو ووالدتي على طريقتهما وهما المصنفان طبيا بتواضع قدراتهما العقلية، وكان الناس يتجنبون زيارة منزلنا أو السماح لطفلاتهم باللعب معي فلربما أصيبهن بعدوى ما، كانت فرصة لي للقراءة عن حضارة الآشوريين وبلاد بابل المشهورين تاريخيا بحدائقهم الجميلة. كانت لديهم لعبة صيد من خلال تلك الحدائق تركت لخيالي الخصب المجال لينسج قوانينها. «تبدأ اللعبة الفردية بأن تركض تلك الشقراء وتهرب ما بين الشجيرات بحثا عن ملاذ. لتبصر مخلوقات متخيلة تبحث عنها، لا يهزأون أو يتندرون بحالة والديها العقلية، ولا يصدرون أحكاما لا علمية جزافا عليها. فقط مخلوقات طيبة تحب أن تلهو دون اختراع أسباب لأي هاجس قهري.».. مخلوقات تفهم دموعي بعد أن أقوم بمساعدة والدتي في استحمامها وأشهد آثار الضرب التي كانت تتعرض له من قبل أب جاهل عنيف بلا ضمير، يعاقبها لمحدودية دماغها على النمو. مخلوقات تضحك معي وأنا أشهد الاضطرابات العقلية بصنوفها تنضح من سلوكيات من يعتقدون بأنهم عقلاء..! لا أستطيع أن أجزم حقيقة متى وعيت إلى أن هذه المخلوقات متخيلة، لكني تصالحت مع فكرة الإبقاء على حياتهم حتى إشعار آخر..!. فاليوم، أنا بدوري أيضا أم لطفلة شقراء. والدها من بلاد الأرز، متعلم وأنيق ويحبني كثيرا. لم أجد صعوبة تذكر فيما يختص بمعاملات استصدار الموافقة الرسمية للارتباط به كأجنبي.

أذكر وأنا بالطائرة محلقة لزيارة أهل زوجي، كانت هي آخر مرة لي أرى فيها أصدقائي، أحدهم يتنطط على جناح الطائرة والأخرى تسترق النظر لي ما بين الغيوم. أما زوجي فلا يستطيع أن يكبح جماح قهقهته بدموعها كلما تذكر كيف كان لقائي الأول بذويه، حين احتسيت قهوتي وسارعت لإخبارهم قبل أي شيء أنني ابنة لوالدين يعانيان من قصور عقلي!! وكيف ارتسمت تفاحتان على محيا والدته وهي تؤكد: «ومن منا ليس كذلك يا ابنتي». ياه، الأمر كان له أن يكون هينا فإذا؟ كم أمرا هينا أيضا يا ترى لا يزال عالقا في عقدة ما؟ ما أعرفه الآن أنه موسم قطاف الزيتون، وأهلي هناك في انتظار أن أرسل لهم عصارته البكر.