آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 1:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورة الحسين ملهمة للاصلاح

باقر علي الشماسي *

لا ينبغي أن نمتطي ظهر الغمام طويلا أكثر مما ينبغي وكأننا بذلك نتعجل نحو الترف الفلسفي من فوق منابر إحياء ذكرى عاشوراء لنقذفها على الجماهير التي أكثرها قد لا تستطيع تفكيكها واستيعابها بالكامل..

فالرسالة الحسينية وأخواتها كإحياء ذكرى وفاة الأئمة أهل بيت الرسول الأعظم ﷺ لم نجد بين ثناياها إشارة تقول بأن تضحيات الثورة الحسينية قامت من أجل الموت للموت ومن ثم إلى الجنة وحسب، وإنما قامت تلك الثورة ومدرستها التي قال عنها المهاتما غاندي مقولته المشهورة: «تعلمت من الحسين حين أكون مظلوماً فأنتصر» إذ قامت بتضحيات فاقت كل التصور ليس للموت من أجل الموت وإنما من أجل الحياة ومن أجل تحقيق العدالة ومقاومة الظلم والتعسف ومقاومة إغتصاب السلطة أو الخلافة على المسلمين والاستيلاء على ثرواتهم بقوة السلاح والبطش لتبديدها على ملذاته وشهواته، وعلى شراء الذمم والضمائر الرخيصة وعلى المنافقين والمرتزقة وفقا لمصلحة ذلك الحاكم المستبد أمثال يزيد،، وهذه المبادئ التي قامت من أجلها ثورة الإمام ليست لزمن محدد أو لمكان معين أو لطائفة معينة، وإنما لتتوارث الأجيال بعد الأجيال ثقافتها وصلابتها.

إن خطباء المنابر الحسينية بمنطقتنا ليسوا على مستوى واحد من المعرفة والثقافة واستيعاب وتقييم المعطيات والمستجدات في الساحة الدولية والإقليمية، لذلك نجد بعضهم ينحو منحى التسطيح لرسالة عاشوراء وكأنها لا يعنيها ما يحدث في محيطنا، وبعضهم يحجمها ويؤطرها في طائفة وفي بوتقة مغلقة، والقلة منهم على مستوى كبير وذوي علم غزير، ولكن بعضهم ينحو منحى الترف الفلسفي الذي لا يربط ربطاً عضوياً بين رسالة عاشوراء وتعميق في الناس ثقافة العدالة والتسامح والتآخي بين كافة المسلمين بمختلف طوائفهم ومللهم وتوجهاتهم بينما نحن اليوم في أمس الحاجة الملحة للتوعية لهذه المبادئ الخلاقة النبيلة أكثر من أي وقت مضى، ذلك لأننا نعيش منعطفاً تاريخياً يزخم بمخاضات من المعطيات الإيجابية ومتناقضاتها على الرغم من إثارة الغبار حول إيجابياته ووضع الضبابيات أمامه لكي لا تراه الناس بالعين المجردة..

إن أدبيات مدرسة عاشوراء ومضامينها تتماهى ومواثيق حقوق الإنسان إلى حد كبير حتى يومنا هذا عصر ثورة المعلومة وثورة الاتصال ومعطياتها نحو التغيير والإصلاح..

إذن ينبغي أن لا نغرد خارج سياق هذا الزمن وخارج سياق التاريخ وخارج سياق أرض الواقع المعاش. وهنا تجدر الإشارة إلى محاضرة أو قرائة «سمها ما شئت» سماحة العلامة والخطيب الكبير والمتمكن في ترجمة أبعاد دروس ملحمة عاشوراء الاستاذ سيد منير الخباز في ليلة الثامن من محرم 1433م والتي كانت بعنوان «المواطنة هي الكرامة» في تقديري المتواضع بأنها محاضرة تحتضن بين دفتيها وبين جوانحها وبين اعطافها وفي ثغرها اجنة خلاقة عابقة بجوهر رسالة المنبر الحسيني، حيث ترجمت بصدق ودقة عن حقوق المواطنة في حالة تطبيق شروطها، كالكرامة والعدل وعدم التمييز في الحقوق والواجبات، وعدم المساس والتجاوز على كرامة الانسان تحت معايير ومسميات وأعذار لا تقرها إلا شريعة الغاب..

تحية لسماحة الاستاذ السيد منير الخباز على هذه المحاضرة القيمة، نأمل المزيد لمثل هذه المعالجات لقضايانا الشائكة والسهلة معا، حيث تتشابك بعضها ببعض مثل السطو على البيوت «الآمنة!» والمحلات ونهب الأفراد والاختطاف وما إلى ذلك من أمور وظواهر مستجدة على مجتمعاتنا.

ونحن نعلم جميعا بأن خطباء المنابر الحسينية لا يمتلكون عصى سحرية أو الخاتم السحري في حل قضايا المجتمعات، وإنما هي مساهمة منهم في التوعية واستنهاض همم الناس بشكل أو بآخر، لمعالجة هذه المسائل الشائكة وغيرها، وحين نمتلك الثقة بشرعية الدفاع عن قضايانا ونمتلك كذلك الشجاعة الأدبية وأخلاقيات وحدة الكلمة والتسامح، فلن تكون ثمة أمور عصية على المعالجة بعد تشخيصها ومن ثم وضع الحلول لها. وليس المطلوب أن ننتظر على المدى القريب النجاح في حل كل القضايا حيث ذلك غير ممكن ولكن بالصبر والمتابعة الدؤوبة والتضحيات مادياً ومعنوياً ومن كلٍّ حسب قدراته، بذلك أعتقد بأننا سنقترب من الحلول ولو مرحلياً.

«أما ترى الحبل وترداده في الحجر الصم وقد أثر» وقال مكسيم غوركي «إننا لسنا معدة تنتظر الطعام وإنما شعب يريد الحياة» والله ولي التوفيق.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف