آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 11:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

القطيف حضارة وتاريخ وشموع

باقر علي الشماسي *

أن الله جلت قدرته قد حبا منطقة القطيف من شمالها لجنوبها ومن غربها لشرقها بأربعة روافد من العطايا قل مثيلها: اولاً - مزرعة من الشموع.. ثانياً - في وسطها وغربها عرائس من أجمل وأكرم عرائس الدنيا واكثرها عطاءً سخيا لا يقل فائدة أومذاقاً من الشهد نفسه. وعلى مدى عشرات من القرون كانت هذه العرائس تحمل فوق اعناقها سلالاً من البلسم وهو غذاء لا يضاهى، الرطب: وقد ذكرها القران الكريم، ونظراً لاهمية هذا المكون الغذائي للإنسان الخليجي.. وهي النخلة التي تتدلى من وسط جذائلها واعطافها الخضراء فائقة الجمال والجاذبية: تتدلى منها شماريخ وعناقيد مكتنزنة بحبات خضراء تتلألأ وكأنها أحجار الزمرد والتي لا تقدر بثمن.

ولم تطعم بغذائها منطقة القطيف وحسب بل كانت تطعم الكثيرين خارج المنطقة الشرقية: مثلها مثل شقيقتها الاحساء التي كان فيها أكثر من عشرة ملايين نخلة - ولكن للأسف لم نحافظ على هذه النعمة الكبرى بحجة ظروف قاهرة؟!! أقولها بمرارة وحسرة كشيء من عتاب الذات: أجل لم نحافظ بحرص على ديمومة تلك القمم التي كانت تغازل السحاب، وعلى تلك الجماليات وقاماتها السامقة وافيائها الدافئة، والاهم من كل ذلك تنوع فوائد ثمارها الصحية الجمة. ومعلوم للجميع بأن روافدها ومرضعاتها وحاضناتها هي اكثر من خمسين عين نباعة والتي لم نر ولم نسمع في العالم مثيلها خارج الخليج..

ثالثا: جانبها الشرقي، البحر وشطآنه حيث تنداح من بطونها خيرات هائلة من الاسماك المتنوعة والربيان وإيقاعات امواجها التي تشنف الاذان وتطرب حتى «الطرشان».. رابعاً - ثروات اللؤلؤ، وهذه الثروة لها خصوصية في تاريخ الخليج إذ كانت سببا او أحد الوسائل الرئيسة في التعرف على بعض الامم الحضارية والتلاقح الثقافي والتبادل المعرفي معها.. واهم واثمن هذه العطايا السماوية الأربع هي «مزرعة الشموع» أي ان منطقة القطيف هي احد منابت الرجال الفحول الصناديد منذ عشرات القرون، وعلى عجالة نذكر بعض الدلالات على ذلك: مثلا أشهر صناعة للرماح واجودها وأمضاها في التاريخ السحيق هي الرماح الخطية - وهذا يعنى انه كان في الخط رجالاً أشداء حيث صنعوا لانفسهم بانفسهم السلاح والرماح، فكانت تلك اشهر الرماح جودة ومضاءا.

وكذلك حين نقرأ في ادبيات طرفة ابن العبد مرورا بدولة يحي العياش وابنه زكريا العياش، والذي دام حكمهما من 440هـ حتى 470هـ وقد قام زكريا العياش بتجهيز جيشاً لجباً لمحاربة ابي البهلول حاكم البحرين «جزيرة أوال» آنذاك، فاحتل البحرين وقتل ابا البهلول، واصبحت «القطيف - الخط» والأحساء والبحرين دولة واحدة: ومن ثم قامت دولة عبدالله العيوني «من الأحساء» على انقاض دولة العياش: فكانت هذه المناطق الثلاث المذكورة سلفا تحت حكم العيونيين لمدة ما يقارب المائة والسبعين عاما.. وهذه اللمحات التاريخية وهذه القراءة المختزلة تدلنا على حضارة الخط - القطيف - وامجادها ورجالاتها الفحول ومنهم اصحاب المهن اليدوية - منها صناعة السفن واصلاحها، واتقانهم لتلك الصناعات.. ان اهم واثمن هذه العطايا السماويةالاربع هي «مزرعة الشموع» ان جاز التعبير - أي منبت الرجال المميزين في مدنهم ومناطقهم وفي احيائهم وقراهم.. وذلك في العصر الماضي البعيد وفي القريب: على سبيل المثال لا الحصر - الشيخ علي ابوعبدالكريم الخنيزي قاضي منطقة القطيف في عهد الدولة العثمانية، وحتى في عهد الملك عبدالعزيز، والحاج عبدالله بن نصر الله، عمدة القلعة منذ إطلالة الخمسينات من القرن الماضي، والشيخ محمد النمر، وقبيلة بني خالد المشهود لهم نبلاً وشجاعة، وهم اخوتنا في السراء والضراء منذ التاريخ القديم حتى اليوم، والشيخ علي المرهون، والزعيم علي حسن ابو السعود، والشاعر الاديب الشيخ علي الجشي، والشيخ فرج العمران، وزعيم سيهات حسين النصر وحسين الفرج زعيم العوامية واميرها، والشاعران الكبيران ومن ابرز فحول الشعر والادب والقضايا الاجتماعية، وهما الشيخ عبدالحميد الخطي وعبدالرسول الشيخ علي الجشي، والشاعر والكاتب والمؤرخ محمد سعيد موسى المسلم، والكاتب المعروف سيد علي باقر العوامي، والحاج حسن علي المرزوق الوجيه والعمدة، رحمهم الله جميعا: وأمثالهم عديدون لا تحضرني أسمائهم.. هذه شموع قد أضاءت في ملاحم القطيف وغردت في الخطب وفي المنغصات، فأثروا الساحة القطيفية علوما دينية ودنيوية في الادب والشعر والثقافة والاجتماع، كما ولهم بصمات في مواقف وطنية وسياسية واجتماعية شجاعة: وبعضهم دفع ثمنا باهضا جدا مقابل تلك المواقف الوطنية.. أذن بهذه النماذج من الشموع والثقافات الوطنية المتنوعة: نقول جازمين بان هذه وتلك هي دلالات ساطعة بانه كلما انطفأت شمعة نبتت في مكانها شموع وشموع، يعني ان القطيف من اقصاها لاقصاها قديما وحديثا هي ولادة لا تنضب بمثل هذه الشموع: وان الاجيال الحاضرة والاتية ستكون اكثر اضاءة وانجازا عددا ونوعا اذا تضامنوا وتنافسوا على خدمة مجتمعاتهم لترقى الى المستوى المطلوب.. ونخص هنا وفي هذا السياق وضمن تلك النماذج نخص بالذكر فقيدنا الغالي وهو اخر ذلك الرعيل وتلكم الكويكبات الوطنية المضيئة، وليس نهايتها والذي رحل عنا قبل أيام قليلة من شهر محرم 1435هـ وهو علي رضي الشماسي الذي رحل بجسده ولكنه باق في ضمائر وقلوب محبيه ومعارفه: انه ابو رؤوف رحمه الله.. لقد كان شمعة قد اضاءت في واحة القطيف وتألقت عطاء واخلاقا بتراتيلها النورانية، لقد اعطى مجتمعه من النبل والكرم والمحبة والتواضع والمساهمات السخية في المشاريع الخيرية الانسانية لم يعطه احدا غيره إلا القليل.. لقد كان حاضنة ودوحة يتفئ بضلالها ودفئها مختلف الاعمار ومختلف مستويات التعليم والثقافة والتوجهات، وخير دليل على ذلك مجلسه المفتوحة ابوابه ليليا على مدار السنة، وتجد زائرية كبارا وشبابا وكهولا، فتجد بينهم الطبيب والمهندس والطالب الجامعي، والطالب الثانوي، والتاجر واصحاب المهن البسيطة، والشاعر والاديب، والكاتب الاريب، والاعلامي الوجيه، وبعض رجال الدين، وكأنه زنبقة، الكل يتوق للقرب من عبقها، اذ كان شخصية كارزمية جذابة، لا سيما عبر مداعباته خفيفة الظل، ولذلك يشعر زائرية ومحبيه بانهم لا يزورون مريضا وانما يزورون شخصية محدثة مرحة تحمل ذاكرة عن التراث والتقاليد القديمة التي سادت مجتمعاتنا في قرون عديدة، وعن الانساب والاسر البعيدة والقريبة: انه ذاكرة كموسوعة عن كل ماهو قديم وصار في طي النسيان.. وجدير بالذكر ان الاديب عصام عبدالله الشماسي ذكر في كلمته البليغة مضمونا ومفردات: وذلك في «ليلة الوحشة» بان الفقيد المرحوم اوصى بانشاء مركز صحي او مركز ثقافي او ماشابه ذلك من عمل خيري غير عادي «بعد الاستئذان من المرجع» وطالما هذا ماضى القطيف الغابر السحيق وماضيها القريب، وتلك حضارتها الشامخة التي شهد لها كبار المؤرخين، وطالما هذه شموعها، وهذه رجالاتها اللذين بذلوا كل غال ونفيس وثمين في مواقفهم الرجولية، وطالما هذه اجيالها الحاضرة ومستوى وعيها الاجتماعي والسياسي والتاريخي الراقي. لذلك فالقطيف لم ولن تكبوا وتنزلق في اوحال ادبيات رياح الفتنة الطائفية، كما يبثها البعض: وهم قلة وابواق للأجنبي من الطائفتين، وهؤلاء اصحاب أدبيات الفتنة الطائفية يقدمون اطباقاً بدائية مغرية ودسمة للارهاب.. سواء يبثونها من لندن أو غيرها او من معمم او من أدوات التكفير. وستبقى القطيف متمسكة بأخلاق ومبادئ الاسلام والانسانية وهي المحبة والاخوة والتعايش مع جميع الاطياف والمذاهب، ذلك لكونها لا تدور عكس دوران عجلة الحياة نحو التطور والارتقاء، وفي نفس الوقت ان القطيف لها حقوق لا يمكن التخلي عنها... ومن هذه المنطلقات والمعايير من محبة واخوة ووحدة مع كل الطيبين الذين لم تنطل عليهم لعبة الاجنبي «الطائفية والمناطقية» من هذه المنطلقات الخيرة سوف ننتصر باذن الله على غباء وحماقة هذه السحابة العبوس المكفهرة. مطايا المارد الاجنبي للفتنة، وطحالب الدهماء المكفرة، عشاق ضخ ثقافة الكراهية والعدمية.. لذا نقول ونكرران تلك النماذج من رجالات القطيف وعلمائها وادبائها وكتابها هي دلالات على ان القطيف على مر العصور والازمنة ولادة لا تنضب بمثل هذه النماذج من الرجال الابرار: وفقيدنا ابو رؤوف علي رضي الشماسي رحمه الله هو احد تلك النماذج من النبلاء الابرار. انه الغائب والحاضر في القلوب والضمائر.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف