آخر تحديث: 16 / 7 / 2019م - 9:49 ص  بتوقيت مكة المكرمة

يوميات ممرضة: مشرفة

حسين نوح المشامع

بمرور الأيام تمكنت حميدة من إثبات نفسها، مواصلة عملها ومضاعفة جدها واجتهادها، حتى أصبحت مشرفة في قسمها.

فرحة كثيرا وابتهجت ووزعت الحلوى والمشروبات على من حولها من أطباء وممرضات، حتى المرضى وصلهم شئ من كرمها.

منصب حلمت به وتطلعت إليه طوال السنوات السابقة.

حاولت نسيان كل تلك المنقصات والمثبطات، التي طال ما وقفت حائلا أمام تطورها وتقدمها.

تلك الفرحة لم تكتمل وأثرها لم يدم، إذ لم تخلو من الكدر والهموم، كلما تذكرت صديقتها سعاد، التي طالما تمنت ألا تكون تحت إشرافها وإدارتها. ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

سفينة سعاد شاء لها الله الرسو عند مرفأها، ورمي مرساتها على ساحلها.

كان عليها التعامل معها بحزم وقوة، رغم صداقتهما التي قد تتأثر، أو تؤثر في مسار العمل.

لدى سعاد رغم نشاطها وإتقانها لعملها، وقدم خبرتها، مشكلة لم تستطع تجاوزها، أو وضع حل لها.

مشكلة قديمة، وكل من حولها يعلم بها، لكن لم يجرؤ أحدا وضع حدا وحلا لها. مشكلة لم تؤثر على عملها، وعلى نفسية حميدة فحسب، بل حتى على نفسية سائق الحافلة الذي يوصل سعاد لعملها ويرجعها لبيتها. فلقد وصل به الحال في بعض الأحيان لحلف الأيمان المغلظة، بتركها حيث هي، ويذهب في سبيله دون رجعة.

سعاد بطيئة عند ذهابها لعملها، وبطيئة في أداء واجبها، وبطيئة عند خروجها من عملها، كما السلحفاة في حركتها وعند انتقالها من مكان لأخر. فهي لا تهتم بمرور الوقت، ولا تهتم لما يعانيه مرضاها بسبب تأخر خدمتهم، كأنها تعمل لحسابها الخاص.

لأكثر من مرة اضطرت حميدة لإنذارها شفويا، ثم كتابيا، وتهديدها بالإيقاف عن العمل، رغم عدم رغبتها في قطع رزقها، أو إيقاف دخلها الوحيد.

خابت مساعيها، ولم يؤثر ذلك في سعاد، ولم يغير من نهجها، كأنها عدمت الإحساس بنفسها، وبمن يهمها أمرهم ويزعجها ما يصيبهم.

طلبتها ذات يوم في مكتبها، القريب من طاولة استقبال المرضى وغرف تنويمهم. كان ذو أثاث متواضع، وجدران بسيطة، مجرد طاولة وعلى جانبيها كرسيين غاية في التواضع، وليس فيه ما يوحي بالأبهة والترف. مكتب بسيط لانجاز الأعمال والمهمات السريعة، التي تحتاج للتركيز والإتقان، بعيدا عن العيون المتلصصة والمتجسسة، والآذان المشرئبة والباحثة عن كل مثير.

قالت لها وكلها أسف وخجل: أنا مضطرة لتحويلك للتحقيق، كي يجدوا لكي حلا، فانا لم اعد قادرة على تغييرك، أو تحمل تأنيب الضمير، أو تقريع الإدارة لي.

إضافة بعد توقف قليل تلتقط خلاله أنفاسها المتقطعة، كأنما كانت تتسلق جبلا: أنت لا ترضي بقطع رزقي، كما أني لا انوي قطع رزقك!؟

استوقفتها سعاد كأنها قد انتبهت من سبات شتوي طويل: لا داعي لتحويلي للتحقيق، فانا اعلم انك لا ترضي بإيذائي، فلدي اقتراح إذا قبلته قد يريح جميع الأطراف!؟

كانت عيني حميدة مليئة بالتساؤلات والاستفسارات، تنتظر بلهفة لذلك الاقتراح الذي ستطرحه رفيقتها!

بدأت سعاد قائلة: قد تظنين أني لا اهتم في الذهاب لبيتي، وكأنما لا احد ينتظرني، أو ليس لدي التزامات عائلية يتوجب علي القيام بها. وبعد استراحة قصيرة وهي تتطلع للبعيد، كأنها تستشرف الأفق، وبعد آهة طويلة أخرجتها من جوفها بكل حرارة، كأنها فوهة بركان: مررت بتجربة اجتماعية أليمة أوصلتني لما أنا فيه الآن، ولا أريد إدخالك في متاهاتها، وليس ها هنا مكان ولا زمان لطرحها. والعمل هو الشئ الوحيد الذي أنسى فيه مشاكلي، وأنسى فيه هموم نفسي. ولكن بما أني أصل متأخرة، واعمل ببطء، فأنا على استعداد للبقاء حتى انهي عملي مهما تأخر الوقت.

استغربت حميدة لهذا الاقتراح، الذي اعتبرته غريبا، ولم ترتح له، لأنها أحبت سماع وعدا بتغيير نظام حياتها. وقالت لها محاولة إخفاء تذمرها وحرجها: عودي لعملك، وسوف اطرح اقتراحك على الإدارة، وننتظر جوابهم