آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التنبؤات لا تقدم حلاً

جعفر الشايب * صحيفة الشرق

مع بداية كل عام جديد ينشغل الناس في منطقتنا بمختلف أشكال التوقعات والتنبؤات المنسوبة فلكياً على الصعيد الشخصي والاجتماعي والسياسي، وتتحول وسائل الاتصال المختلفة المرئية والمسموعة إلى قنوات تتنافس في تقديم مزيد من مثل هذه التنبؤات بصورة لم أجد لها مثيلاً في أي منطقة أخرى في العالم.

كلنا يعرف ويعلم أن هذه التنبؤات ما هي إلا تخرصات وتصورات ليست علمية، وإنما هي آمال وأحلام لا تمت إلى الحقيقة بصلة، والسؤال هو ما سبب رواجها في منطقتنا العربية بصورة تجعلها من المسلَّمات التي تعلق عليها الآمال كثيراً؟

المنطقة العربية مملوءة دوماً بالمفاجآت السياسية التي يترتب عليها عديد من التغيرات، وذلك بسبب عدم الاستقرار وغياب الشفافية والوضوح فيها، فلعلها تكون من المناطق القليلة في العالم التي لا يعلن فيها عن الأوضاع الصحية لكبار المسؤولين، ولا عن التوجهات العامة للسياسات الداخلية والخارجية.

ولانعدام مراكز الدراسات والأبحاث السياسية المستقلة التي تقدم التحليلات المستقبلية بكل حيادية وموضوعية، يبقى الجمهور العربي مغيباً عن فهم ما يدور، وبالتالي يفاجأ بأي تحول أو تغيير سياسي، ويبقى أسيراً لمثل هذه التنبؤات والتخرصات.

لا توجد في منطقتنا العربية أيضاً حرية للرأي والتعبير يمكن من خلالها قراءة الأحداث والتطورات بصورة علمية ومنطقية ودقيقة، كما أن الأمور تجري في سرية تامة وتكون كلها عرضة للمفاجآت، ولا تخضع لأي حسابات أو تقديرات واضحة.

وعلى الصعيد الفردي يعيش الواحد في منطقتنا العربية حبيس تطلعاته وطموحاته وآماله التي لا يرى فيها أفقاً للتحقق، مما يجعله ينحاز لعالم الأساطير والأحلام والتنبؤات، ومتنفساً للتعويض عن أزمته لتحقيق ذاته وأهدافه.

كلنا هنا فرداً وجماعة يستعيض بالتنبؤات والأحلام والغيبيات عن التفكير المنطقي والتخطيط السليم والعمل ضمن رؤية واضحة وأهداف محددة. ولذا فإن فرص التقدم تكاد تكون معدومة أو محدودة للغاية سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي.

وفي حالات الإخفاق التي هي بطبيعة الحال الأكثر احتمالاً للوقوع في ظل هذه العقلية، فإن المسؤولية تُلقى عادة على الظرف الخارجي وليس الذاتي، وعلى العامل الغيبي والمجهول وليس على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الفشل.

الأحلام السائدة لدى العقل الجمعي في منطقتنا ليست وليدة تفكير ورؤية ينتج عنها سعي جاد لتحقيقها، وإنما هي وليدة عجز وقصور وفشل متراكم وهروب من الواقع البائس، ولذا فلا ينتج عنها إلا مزيد من تراكم الفشل والتراجع.

لن تنتهي ظاهرة التنبؤات وتفسير الأحلام والهروب إلى الغيبيات، إلا إذا تم تفعيل دور العقل والعلم وإطلاق الحريات ومختلف طرق الإبداع، وتعزيز الشفافية والمراجعة النقدية في مختلف المجالات.