آخر تحديث: 25 / 1 / 2021م - 8:17 م

ضرورية الزواج روحياً والفهم الخاطئ للمثالية

السيد أمين السعيدي *

ضرورة الزواج فردياً واجتماعياً الحاجة الروحية

مِن أهم الأمور الدَّاعية للزَّواج: «الحاجة الرّوحية للشّريك».

إنَّ الإنسان بفعل قسوة الحياة، وتغيّراتها المستديمة، وتّبدّلات الرّوح والجسد، يَحتاج لشريكٍ خاصٍّ  مستقِرٍّ ودائم كديمومة التَّغيّرات والتَّبدّلات، وهذا بالتّالي يَفترِض أن يكون الشّريكُ مناسِباً لِرفْع الشّعور السّلبي النّاتج عن هذه العِلل؛ لذا كلّما كان الشَّريك مثالياً كلّما انسدّتِ الحاجة الرّوحيّة بدرجةٍ مُرْضية، والعكس بالعكس.

لكن المهم هو أنْ نَعرِف أسباب الامتلاء الرّوحي بالشّريك، وهذا ما يمكن بروزه في التّوفّر على «واقع الانسجام» وإيجاده فيما لو لم يكن متحقِّقاً، وكذا «الهِمَّة التَّبادُليّة» في ظلِّ «القناعة»؛ فإنَّ القناعة هي الكنزُ الذَّهبي الأكبر للرِّضا الروحي؛ كما يجب العلم بأنَّ القناعة مُوَلِّد رئيسي للمرونة التي بذاتها تُعتبَر أيضاً سباباً من أسباب الرِّضا الرُّوحي.

هذا وقد أشار كتابُنا الكريم لهذه الحقائق بصورة لطيفة كِنائيَّة مبدِعة في الآيتين التّاليتين:

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْـتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ[البقرة: 187].

وقوله تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون[الروم: 21.].

المفهوم الخاطئ للمثالية والتناسب الزوجي

إنّ ضرورة كون الشـّريك الخاص «مناسباً ومثالــيّاً» في العلاقة الزّوجية، الرّافع لمشاعر القسوة الوجوديّة وتبدُّلات الحياة، والـتّغيّرات الجسمانيّة والرّوحيّة، والدّافع للحاجة الرّوحيّة، فضـرورة كون الشّريك الخاص «مناسباً ومثاليـّــاً» لا تعـني أنّ هــذا الشـّـريك يَلْزَم أن يكون ثابتَ الطِّبـــاع والمزاج، لا يعتريه التّـغـــيُّر والتّبدُّل، فكما أنّ الحياة متبدّلة وحوادثها متغــيّرة، في ظلِّ قابليةِ الجسد والــرّوح للتّغــيُّر، كذلك بشكل طبيعي الشـّريك يَتبدّل ويتغـيّر في طباعه ومزاجه، مِثْلُه مِثل الطّرف الآخر.

مخطئٌ مَن يبتغي شريكـــاً مناسباً ومثالياً لا يمسه شيء من ذلك، فلو رُمْـــتَ البحث عن شـريكٍ ثابت؛ فلن تجده بتـاتاً، وستبقى تَـلهث وراء ســــرابٍ لا واقــع له، سرابٌ أنت فيه كمــَن يدّعي لنفْسِه الثـــّــبـات وعدم التـّـغـيُّر الشـّخصي، ناهيك عن أنّ طبيعة الحياة القائمة تـَــتطلَّب الحركة في الذّات، وإلا كانت الحيــــاةُ مملَّـةً وضَجـِـرة؛ ممّا يَعـني أنّ «المثاليّـة» هنا تـَــتطلّب التّبـدُّلات.

نعم؛ يُشتـرط في تحقُّـق «التّناسب والمثالـيّة» السـّعـي وراء تقليص العَوارض السّلبيّة المجابــِهة للشّريك، والمثابَرة قدر الإمكان لامتصاص آلامه ومتاعبه بمختلَف صنوفها، فهذا الأمر مِن أبسـط بَدَهـيّـات العلاقة الزّوجية الإنسانية النـّـاجحة، كما يَلْزَم أن لا نـَـفتعِل المزاجية، فالحياة بذاتها كفيلة في المجيء بالآلام ومُـكَدِّرات الصَّفو، فلا نُزايــِد عليها.

إنّنا نَعيشُ في مجتمعٍ يَكْثرُ فيه فهْمُ «المثاليّة والتّناسب» الزَّوجي بصورة مغلوطة لا ترقى لأبسط القِيَم اللاَّزمة!

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com