آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

جريان الإصلاح في جهتك لا يعني أنك لا تَصْلُح «2»

السيد أمين السعيدي *

جريان الإصلاح في جهتك؛ بِعَزلِك أو تقليص بعض صلاحياتك؛ لعدم جدارتك بمهمَّةٍ أنتَ فيها، أو مهنةٍ تمارسها، لا يعني أنَّك لا تصلح لشيءٍ آخر، كما لا يعني أن تتوقَّف وتشل حركتك وتستاء.

إذا كنتَ لست بجديرٍ بمهمة معينة، فلا شك أنك جدير بأخرى أنسب لطاقتك وإمكانياتك الشخصية؛ ولك في أئمة الهدى كلهم حكمة وموعظة:

فهاهو الإمام علي ثم الحسن ثم الحسين ثم زين العابدين ثم الباقر ثم الصادق، إلى آخر أئمة المسلمين أوصياء رسول الله ﷺ العِظام، فهم لما عُزِلوا عن حقهم؛ لم يَعْنِ ذلك بالنسبة لهم التوقف والاستياء، وعدم ممارسة الشؤون الأخرى المتناسبة مع ظرف المرحلة التي يعيشونها، والتي تليق بإمكاناتهم وقدراتهم.

عليٌّ خلال الخلافات الثلاث عاش فترة مديدة يحفر الآبار ويُقدم لأهل المدينة نفعاً كان يصعب عليهم نَيله، وكان مُعيناً يقدِّم النصيحة والرأي؛ ولما نقول عليٌّ دخل في عُزلة في زمن الخلفاء؛ فهذا لا يعني أنه توقَّف عن العمل وشلَّ حركته.

والحسن في عصر الخلفاء وكذا في عصر خلافة أبيه، كان يعمل تحت جناح أبيه، وكذلك الحسين ، كما أنهما - الحسن والحسين - ساهما فيما يسمى ب «الفتوحات الإسلامية اللا إسلامية» من باب تقليل المخاطر والهفوات؛ وهذه مشاركة طيبة وحسنة تنفع المسلمين وتقوي دعائم الدِّين.

ثم الحسن الذي بُلي بالصُّلح مع معاوية، بقي يمارس وظائفه رغم عُسر الظرف الذي كان يمرُّ فيه بعد معاهَدة الصُّلح، والحسين في فترة الصلح كذلك.

والإمام زين العابدين أخذ يمارس الدعوة عن طريق الدعاء والوَتَر المعنوي ومجالسة الصحابة والتابعين في حلقاتهم بمسجد رسول الله ﷺ والمشاركة بمعلمه حتى تمكّن من تخريج أكابر العلماء من الفقهاء والمفسِّرين كجابر بن عبد الله الأنصاري والمنهال بن عمرو وأبي حمزة الثمالي وغيرهم، كما شكَّل مدرسةً كبرى في علم القراءات في قبال قراء الحجاز والبصرة والكوفة بأعلامهم البارزة، وكذا أخذ يدير حركة الثوار من بعيدٍ أو قريب، ويوجِّه «غايات الثورة الحسينية الغَرّاء العظيمة» إلى أهدافها الصحيحة ومواقعها السليمة، فلم يَتوقَّف بمجرد أن أباه قُتل بأبشع صورة …، وأن الخلافة التي هي حق إلهي على عاتقه سُلِبتْ منه، فلم ييأس ولم يَتخاذل أو يتراجع عن مَبدئه، إلا أنه أيضاً ساهم غيرَ مرَّة في إرشاد الحكام، ودفعِ رزية جيش الروم عن المسلمين.

كما أنَّ الباقرَين - الإمامين محمد بن علي وجعفر الصادق - «عليهما السلام» مارسا في ضمن دورهما الإصلاحي نشر العلم، وعاشا مع الناس، واستَقبلا الجميع تحت منبرهما العلمي والفكري، ولم يحصراه بفئةٍ خاصة..

●» ووالله، لو لم يكن لدينا سوى هذه المواقف؛ لكفى بها حُجَّة، فكيف ما لو أضفنا إليها عهد الكاظم وهو يدير شؤون الناس بما يُفاء عليه من الزكوات والمال، ويوزعها على المحتاجين ويحرِّك بها كيان العلم، في الوقت الذي نشر فيه المعرفة لو لا أن قَطعَ عليه السجن ذلك مدةً تقارب «العشرين عاماً»، فلم يتوانَ ولم يضعف ولم يتضعضع، وكذا عهد الرضا في المدينة وهو يشِيع العلم في مسجد النبي ﷺ ويعلِّم الناس الفقه والتفسير والحديث والفلسفة و…

●» فعدم جدارتك بمهمة، أو عدم تَناسُب المرحلة مع بعض ما تتقنه؛ لا يعني بتاتاً أنك لا تنفع لشيءٍ آخر، ولا يعني أن تستاء وتتوقف أو تتخاذل وتتراجع عن المَبدأ الصحيح.

وللحديث تتمة إن شاء الله تعالى.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com