آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 2:36 م

في ابتذال هجاء الكراهية!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

”الكراهية“ كمصطلح، باتت تتردد كثيراً في وسائل الإعلام، حاضرة في النقاشات على شاشة الفضائيات، وبين طيات مقالات الكتاب، أو حتى في أحاديث الناس اليومية. وهي في هذا الحضور، دائماً ما كانت توصم بالقاذع من صفاتٍ، وتنال نصيباً وافراً من الهجاء. لما باتت تشير له هذه الكلمة من معانٍ سلبية، وتشيعه من أجواء صدامية، أضحت تقلق الكثيرين، وتجعلهم ينفرون منها.

عند متابعة المرء لهذا الكم الهائل من صكوك البراء من ”الكراهية“ يخيل إليه أن ثمة إجماعاً على نبذها، فمختلف المكونات السياسية والفكرية وحتى الدينية في الوطن العربي، باتت تتبنى خطابات مضادة ل ”الكراهية“، محبذة التعايش السلمي وحسن الجوار. وكأننا أمام طريق وردي بات يفرش بالزاهي من زهور والباسق من نخيل!

في المشهد المقابل، نجد الاحتراب والاقتتال والسيارات المفخخة وأحداث القتل اليومي، تفاصيل مستمرة وحاضرة في مقدمة المشهد، في العديد من البلدان العربية التي تشهد نزاعات مسلحة أو اضطرابات أمنية. فيما تحضر المناكفات السياسية الحادة وخطابات التخوين والتحريض والتمذهب في بقاع عربية أخرى. وهي جميعها مخرجات طبيعية لخطابات ”الكراهية“!.

ثمة معضلة رئيسة في الوطن العربي، موجودة سواء في بنية الفرد، أو التكوين المجتمعي، والعملية السياسية التي يتنافس فيها الفاعلون المؤثرون من أفراد أو أحزاب أو جماعات. وهي تتمظهر في ”الازدواجية“ سواء في السلوك أو الخطاب. وهي ما يمكن أن يفسر لنا سبب الحضور الطاغي ل ”الكراهية“ وهجائها في آن معاً.

إن ممارسة الخطاب النقداني تجاه ”الكراهية“ لا يعدو في كثير من الأحيان، كونه ممارسة تجميلية، تسعى لإظهار الذات وكأنها نقية، بعيدة عن التلطخ بالسواد القاتم الذي يخيم في الأفق. أي أنها ممارسة شكلية ظاهرية، ليس لها أثر عملي تغيري على المجتمعات، تنتهي عند المنابر أو حبر المقالات.

التبرؤ من ”الكراهية“ ليس مجرد حديث لفظي ممجوج ومكرر، وإنما هو نمط تفكير معرفي، يتصل بالأفكار أولاً، وبتمظهر هذه الأفكار تالياً، وبالعلاقة مع الآخر ثالثاً، وهي محددات لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها، أو الأخذ بواحد منها وتجاهل البقية.

لا يمكن لأي جماعة بشرية أن تنبذ ”الكراهية“ في الوقت الذي ترى فيه العنف أمراً مبرراً تجاه الآخر المختلف عنها، ولا يمكن لأي تيار سياسي أو يدعي مواجهة ”الكراهية“ فيما هو يمارس الإقصاء والتحريض تجاه التيارات الأخرى.

صحيح أن وجود خطابات نابذة للكراهية أمر صحي مجتمعياً، ومن الجيد أن نسمع هذه المواقف من تيارات فكرية كانت توصم ب ”الراديكالية“. وهو ما قد يعده بعض المراقبين الخطوة الأولى في طريق الألف ميل. إلا أن هذه النظرة التفاؤلية تنطوي ”تبسيط“ في الرؤية، وهو التبسيط الذي يقف عند ظواهر الخطاب، دون أن يتعداها إلى مضمره.

إن الرفض الحقيقي ل ”الكراهية“ يستوجب تغيراً حقيقياً في بنية العقل القائم على الغلبة والقهر والاستحواذ، ويتطلب أيضاً منظومة اجتماعية وقانونية تخلق بيئة آمنة ونقية، ودون ذلك ستكون ”الكراهية“ حاضرة بيننا، كحزء من الذات، وكصورة عنها، وستزداد توغلاً يوماً بعد آخر!