آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مصادمة البكّائين على الحسين للإصلاح، وحوار مقولة الاعتزال إلى ظهور المهدي

السيد أمين السعيدي *

مِن العجائب: البكّاؤون على الحسين يصادِمون الإصلاح!

كلُّ مَن يدعي أنه ليس بمعني بالدخول في «المَسلك الإصلاحي»؛ فهو واهم، وكل مَن يَتعلَّل بالتقية وما أشبه؛ فهو أشدُ وهماً؛ فزماننا زمانُ قوله ﷺ: «يجب على العالِم أن يظهر عِلمه»، فهو ليس بزمن تقية، لا على الأقل في هذه المسألة الماسة، وأدنى التقدير أنّ «الأهم مقدَّمٌ على المهم».

إنَّ الذين يتعللون ببعض العلل والأسباب، فهي إما أن تكون ناشئة عن «الخطأ في تشخيص المرحلة»، أو عن «الخطأ في فهم المعالِم الدينية»، أو أن تكون ناشئة من «أغراض شخصية خاصة» لا ربط لها ب «الصالح العام».

أما «الخط الدِّيني الكُّلّي» فهو واضح؛ فلا ريب في طلب الدين لهذا «المبدأ الضروري» وحَثِّه عليه دون أي ضبابية وانتهاز، وما «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» إلا برهانٌ صارخ على ذلك، فهو - بالإجماع - فرعٌ دِينيٌ يوازي الصلاة، بل الصلاة مرتكزة عليه؛ قال تعالى:

﴿إنَّ الصلاة تَنْهَى، فهي ضَرْبٌ من ضروب النهي عن المنكر، كما أيضاً تَستبطن الآية أن الصلاة تأمر بالمعرف؛ إذ لا نهي عن منكرٍ - في منظار الشريعة الحكيمة الغَرّاء - دون أمرٍ بمعروف يسبقه.

●» إنَّ من أغرب العجائب، وأعجب الغرائب، أن نَجد البكّائين على الحسين عليه الصلاة والسلام نَفَسُهم الفكري وأداؤهم في الحراك الميداني يتصادم مع «مبدأ الإصلاح»، والحال أنهم في كل حين يردِّدون ويحتجّون على الناس بأنّ الحسين المظلم سلام الله عليه ما خَرَج أشِرْاً ولا بَطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً؛ إنما خرج للإصلاح!

لا نَدْخل في الإصلاح إلا بعد ظهور المهدي !

هنالك معتقَدٌ سائدٌ مِن وجهٍ ما، مفاده أن لا يُخاض في قضية الإصلاح، وأن يَتم إشاعة ثقافة الصبر والانتظار إلى حين خروج المهدي إمام الزمان صلوات الله وسلامه عليه. وقد يَعتمد أصحاب هذا المقولة على «مبدأ العصمة»؛ بأنّ أمر الإصلاح شأن خاص بالمعصوم الأعرف بالأمور جمعاء، المحيط بالعلل والعواقب، العارف بتشخيص الظروف ومواضع الفعل والترك.

●» ومن الواضح أن الإيمان بالإمام المهدي عليه الصلاة والسلام الذي يَخرج في آخر الزمان، يمثِّل عقيدة عامة يَعتقد بها جميع المسلمين، إلا من شذ، والشاذون عن هذا الاعتقاد الثابت أفرادٌ قلة، يُعَدّون على الأصابع، ولا يمثِّلون طائفةً، وليس لهم أتباع ومقلدون بالنحو الدارج بين المسلمين.

وعلى أيٍّ فهؤلاء لا يسلبون الإجماع عن صفته في هذه المسألة، فإجماع المسلمين على أنّ قضية المهدي عقيدة إسلامية، وأنه يخرج آخر الزمان لا يَنْثَلِم ولا يتزلزل ببعض الشواذ، خصوصاً وأنهم متأخرون زماناً عمَّن هم المقياس في إجماعات الأمة،

وخصوصاً أنه ليست لديهم أدلة ذات قيمة يمكن الاعتبار بها في هذا المورد، بل إن القضية من المسائل القطعية والضرورات الدِّينية اصطلاحاً؛ فهي متواترة ليس للتشكيك فيها طريقٌ إليها بتاتاً.

●» ثمَّ إنّ هنالك فارقاً بين المسلمين في القضية، لا يرتبط بأصل الاعتقاد بها، وإنما يرتبط بجزئية من جزئيات المسألة، وهي أن المهدي أرواحنا فداه موجود تمت ولادته، أم سيولد ويوجَد في آخر الزمان؟

الشيعة كلُّهم ومجموعة من علماء إخواننا السنة يذهبون إلى أنه وَقَعَتْ ولادته، وأنه موجود غابَ عن الأنظار إلى حين مشيئة الإرادة الإلهية بظهوره في آخر الزمان، وهنالك فريق آخر في قِبال هذا الفريق، يقول بأن المهدي سلام الله عليه لم يولد، وولادته وخروجه كلاهما سيقع في آخر الزمان معاً.

●» والذي نريده من كل هذا، هو أن المقولة القائلة بعدم الخوض في «الشأن الإصلاحي» وتوطيد «الصالح العام»، والتحلي بالصبر والانتظار إلى حين خروج إمام الزمان، تشمل كل من الفريقين، سواء الفريق القائل بأنه وُلِدَ، أو الفريق القائل بأنه لم يوْلَد؛ وهذا أمرٌ واضحٌ لا لجاج فيه، غايته أن هذه المقولة:

قد تَظهر في الجانب الشيعي أكثر من ظهورها في الجانب السني؛ ذلك باعتبار التركيبة الفقهية والعقَدية العامة لإخواننا السنة، وسيطرتهم على أغلب البقاع الإسلامية، في قِبال كون الشيعة جماعة مضطهَدة مظلومة مستضعَفة ومستلَبة الحقوق..

لذا؛ من الطبيعي أن يَظهر مثل هذا القول بين أبناء هذه الطائفة المغلوب عليها، ولو من باب منحِ النفس شعوراً بالطمأنينة والأمل، والتصبر على المحن والبلاء.

●» والمهم في مقامنا هو أن نناقش هذه المقولة على أساس «مبدأ الإصلاح»، ونقَيّمها مِن وجْهةِ الصوابِ والبطلان؛ بإخضاعها للدليل والبرهان. وبالجملة: هي مقولة باطلة في غاية الفَساد، لا تَقوى على مقاومة أبسط النقود التي سنذكرها.

وللحديث تتمة إن شاء الله تعالى.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com