آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 8:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

لعن الله الشاك..

هيثم أحمد الثواب *

كبشر وطبيعتنا الفِكرية والنفسية نميل لأن نأخذ بِمسلمات تُتيح لنا مُمارسة الحياة ببساطة ولا تتراكم علينا أمورها ال «إشكالية»، فحين تُصفاح أنفسنا ذواتنا وتَعقد ذلك العقد الذي نَحلف عليه أيماناً مُغلظة بأن لا نُشكك في أي مُسلمة من شأنها أن تسيّر حياتنا بشكل سلس وسهل نحن قُمنا بِعملية الدفن الأولى للعقل، لعله يَكون حياً، ولكن في كل مرة يسيتقيظ فيها العقل ويتمرد بالتفكير والتشكيك، دفناه أكثر بالبحث عمّا يُدعم تلك المُسَلّمة التي لا نعلم ما هيتها، وأقصى جل ما ندريه بأنها بطاقة خضرا نمرق بها لحياة أسهل تتماهى مع «قانون الجماعة»

هل التمرد على الروتين أمرٌ محرَم؟!

رغم الأصوات الخارجة عن غناء السرب الذي نعيشه، إلا إنها قليلة جداً لا تكاد أن تُشكل حُزمة صوتية مسموعة من شأنها أن تغير ما نعيشه، والأهم بأنها لا تشكل ظاهرة من شأنها أن ترفع هذا السؤال [لماذا نمارس هذا ولا نمارس ذاك؟]، ولعلني لا أبالغ حين أقول بأن من يرفع هذا السؤال ملعون مُشكك و[لعن الله الشاك].

أول اليقين شك!

مثال يُضرب ولعله يُقاس، الطب في كل يوم يتطور ويتغير، وهناك ندوات تُقام يومياً من شأنها [التشكيك/ التطوير] في أسلوب ممارسة الطب واستخدام العلاجات الموجودة حالياً، ولكن حين تدخل في دهاليز المؤسسات الصحية تجد بأن رؤساء الأقسام الماسكين بِزمام الأمور هُم من العقليات القديمة وغير مُطلعين على الأمور الحديثة في الطب وتطورات العلم الحديث في شتى المجالات الصحية ولا حتى في المجال الذي يعملون فيه. فالداخل في صومعتهم يجب عليه أن يُلغي من ذاكرته [الصلبة] أي أمر حديث وأن يتلزم بأمر [الجماعة] ويتبع ذلك الروتين المُتبع منذ تأسيس تلك المؤسسة الصحية، فإنه حين يُحاول أن يطور من القسم الذي يعمل فيه فإنه بالدرجة الاولى كافر وملعون، لأنه يشكك في الرؤساء! وبالدرجة الثانية فإنه مُبتدع فاجر، لأنه حاول أن يزج بِبدعِهِ في بيئة عمله الجديدة!

هكذا نحن حين نقول بأن الإسلام الذي صُوَر لنا مِن خلال ممارستنا وممارسات السابقين هو الإسلام الأصيل الذي من خلاله سننجو ومن خلاله أننا نتطور ونثور على هذه الحالة الرثة الذي لا نستطيع القول عنها إلا حالة تخلف وتراجع، فالإسلام بريء من هذه الممارسات، فالإسلام الحق هو الذي يثور على الجهل ويُشعل النبراس في العقول، وهو الذي يدعوا للتفكر في كل شيء، لا أن نسلّم بكل شيء نُمارسه دون أن نعيه ونعرف ماهيته. [أفلا يتفكرون]؟

وأقتبس نهاية حديثي من مقدمة كتاب النبوءة والسياسة:

بعض الإعتقادات تدوم وذلك لا يعني أنها صحيحة، بعض القواعد تتجذر وذلك لا يعني أنها عادلة، وبعض التقاليد تتأصل وذلك لا يعني أنها ضرورية، فثمة إعتقادات وقواعد وتقاليد تستمد ديمومتها من قدرتها على الإستمرار وليس من صحتها أو عدالتها أو ضرورتها. فإن الأفكار أشبه بالفيروسات، فأنها تعيش وتنتشر عندما تجد إستعداداً لتقبلها، وتموت وتندثر عندما تلقى مناعة ترفضها وتقطع تواصلها.»

متى ستكون لدينا مناعة تَشكك في كل ما نقول عنه مسلمة!

لربما قريباً، ربما!