آخر تحديث: 9 / 3 / 2021م - 1:34 ص

هاني فحص.. العمامة التي نحتاجها

محمد أحمد آل محسن *

تصنيف الأشخاص هو المدماك الأول في رسم العلاقة لأي شخص. ذلك التصنيف المفترض الصعوبة يصبح في مثل وضعنا الحالي أسهل الأمور «وأجملها»، فهو يحدد لنا الفاصل مع الآخر، نحبه أو لا، يحقّ لنا الاختلاف معه أو لا، وقبل ذلك، هل نعترف له بجميل يسبغه علينا، إن اختلف معنا في أمر ما أم يظلّ ذلك الجميل طيّ الكتمان، وبين حنايا الصدور؟!

هاني فحص، العلامة، والسيد، والأديب القادم من زمن أدب النجف الجميل. هو رجل يصنف نفسه، ومع ذلك نحن لا نحب ان نصنفه. هو من اختار موقعه ومواقفه، ومع ذلك من يختلفون معه «لا عليه» يحبونه، يبتعد عنهم في بعض المواقف، فيتقربون إليه، لأنهم يحبون الاختلاف على طريقة «أبو حسن».

هو ابن جبل عامل، ومنها مر إلى فلسطين، ومن النجف إلى الثورة في إيران، رسمت خط السيد على مدى العقود الأربعة الأخيرة. الرجل صاحب المخزون الهائل في القصص والشواهد التي واكبها والتي لم يواكبها ظل رغم قربه من قضايا الجماهير وبُعدِه أحيانًا أخرى في دائرة الضوء دائمًا، كأنه كان يحرص على «التمايز» كما التميز دائمًا. بعد الرحلة المكوكية بين النجف وفلسطين وإيران ودائما لبنان، اختار السيد «الإنسان» ليقدم خطابه «وورشته» كما يحب أن يلفظ هذا المصطلح دائمًا.

الإنسان في الحديث عن الدولة والسياسة يعني عند السيد هاني المواطنة في ظل الدولة المدنية. «هي أن تتحوّل الأرض التي نقيم عليها إلى وطن، والإنسان الذي يعيش فيها ويشارك في صوغ حياتها إلى مواطن، ويوثّق هذا الواقع في دستور، تلك هي المواطنة، أي مشاركة المواطن الأصيل في صنع القرارات، ما يتيح له تكوين نظرة متوازنة إلى ذاته وبلده وشركائه في صفة المواطنة، على أساس المساواة في الحقوق والواجبات».

الأهم في تجربة «سيد التبغ والزيتون» هي في اختلافه السياسي مع الحالة العامة لطائفته، الاختلاف الذي أراد له السيد أن يبقى اختلافًا وليس خلافًا وقطيعةً. إذ حرص دومًا على أن يبتعد بعض مسافات عن الخطاب السائد في طائفته، كأنه أراد أن يحميها بالشراكة مع الآخر من خلال التضحية «بجماهيرية أو شعبية داخل محيطه». نحتاج عمامة هاني فحص في اختبار ما نردده «الرأي الآخر»، هل نحن جادون في تبنيه، أم هو لا يعدو أن يكون شعارًا نردده ثم نفترسه كلما خالفتنا جهة؟!

في تجربة «ماضي لا يمضي» نكتشف كم كان ملتزمًا بأن يكون غير منتمٍ إلا لنفسه. عُرض عليه الكثير من المناصب في أحزاب وقوى وحتى في دول خارجية، لكنه اختار أن يكون للجميع، وقد يكون «مخالفًا للجميع». لقد اكتفى بمنصبه في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وبعِمّته السوداء، فكان خطًّا وازنًا في طائفته، وصوتًا لها يحمي تنوعها عند الآخر.

التدين اليوم أصبح مظاهر وطقوس أكثر من أي شيء آخر، أصبح استعماله من قبل الكثير «للضرورة» أكثر من أي وقت مضى، كما يعبر عنه السيد دومًا، «نحن كنا متدينين أكثر من الآن... الآن نعرف أكثر وتدينّنا أقل، نصلي أكثر وثوابنا أقل...».

لا شك أن تجربة «السيد أبي حسن» تستحق الكثير من الحديث، ولكنها تظلّ سيرة يمكن الإمساك بالكثير من تفاصيلها لتكون بقع ضوء تضيء لنا تلكم الأنفاق التي ننتظر الخروج منها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو محمد الصفار
[ تاروت ]: 20 / 10 / 2014م - 2:58 م
رحمة الله عليه وخلف علينا بأمثاله ...
مقال جميل أخوي محمد ..
2
أبو محمد
[ القطيف ]: 21 / 10 / 2014م - 10:56 م
نحن والآخر تحتاج الى الفصل بينهما ليس فقط في المجالس والاحتفالات وانما بتقنين الواجبات والحقوق ..!!؟

بين نحن والآخر مقومات حقيقية وموضوعية تضمن التعايش وفق التعاون والعمل المشترك ..!!

جهل الآخر وتقاعس ( نحن ) عن التعريف الواقعي وبمنحى يتصف بالشفافية وتغليب التعقل سبيل التفاهم ..!!

النوافذ المغلقة والأبواب المرصودة فراغات يستغلها من يطمع ومن يرتزق على الاختلافات ..!!