آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

حادثة شارع التحلية وغياب الإقرار بالإهمال

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

في مشهد يُدمي القلب حزناً، ويُلهب الصدر حنقاً في ذات الوقت، ورفضاً لواقع كساهُ الإهمال واللامبالاة من جهات عدَّة تسببت في زهق روح طفل لا يتجاوز الخامسة من العمر ووالده، وهي لحظات صعبة مرت على الزوجة التي كانت بمعيتهما، حين بدأت الكارثة بسقوط الطفل في حجرة صرف صحي في شارع التحلية بجدة بالقرب من مجمع تجاري، وبادر الأب بما يحمل من مشاعر أبوية أولاً وإنسانية ثانياً بالنزول من تلك الفتحة، ونتج عن محاولة الإنقاذ وفاة الطفل وأبيه رحمهما الله. جميعنا يؤمن بالقضاء والقدر، لكن ما حدث هو أمر تسبب في وقوعه أفراد تربعوا على كراسيهم التي اعتبروها تشريفية، مُتناسين الجانب التكليفي الذي يربطهم ميدانياً بمهام لو أُهملت لضاعت أرواح، فمن المسؤول عن هذه الظاهرة القاتلة والمُنتشرة في الشوارع التي قد يبلغ عددها عدد مباني المنطقة التي تتوزع فيها؟.

حفر للموت تنشد ضحايا، وتنتشر في الشوارع وعلى مرأى الجميع من مُفتشين منسوبين لجهات معْنيَّة بالأمر وغيرهم من ذوي المهام الرسمية، ولم تستدعهم للدهشة وأخذ أي إجراء رسمي للقضاء عليها وإزالتها، لحفظ أرواح الناس، فنجد السيارات المتهالكة في تلك الشوارع المليئة بالحفر بسبب أعمال الطرق المُعطلة وغرف الصرف الصحي المكشوفة الباعثة على الاشمئزاز بما تضم من روائح وقاذورات، من المسؤول عن هذا الإمعان الشديد في الإهمال؟

من المؤسف، أننا لم نجد جهة أعلنت اعترافها بتقصير مسؤوليها في واجبهم، وتحملها مسؤولية هذه الكارثة التي حلَّت بهذه الأسرة، التي تذكرنا جميعاً بالكارثة العظمى التي أنهكتنا جميعاً بالوجع «سيول جدة»، فتلك الكارثة أظهرت مقدار الفساد والإهمال من جهات من المفترض أن تنهض بهذه المدينة وتُعزز بنيتها التحتية فضلاً عن النهضة بمبانيها القائمة التي هي واجهة تُترجم مدى تقدم البلاد، وما يُثير الدهشة فيما يتعلق بهذه الحادثة هو تصريح أمانة جدَّة، حيثُ أعلنت أن غرفة الصرف الصحي هذه لا تخضع للإشراف أو المراقبة من قبل أمانة محافظة جدة، وفي نفس التصريح هي تُلقي باللائمة والمسؤولية تلميحاً على مالك المركز التجاري الذي تقع حجرة الصرف الصحي في محيطه، فجاء هذا التصريح صادماً للعامة وتمنى الجميع لو لم يتم إصدار هذا البيان المُخيب للمُطلع والمُتابع، إنها جريمة لا تغتفر ولا يرضي الضمير إلا أن يقاد المتسبب بها للمحاسبة، فلو حدثت هذه الحادثة في أي دولة متقدمة لكان الإجراء الأول الذي تقوم به هو إقالة المسؤول ومحاكمته، فهي قضية رأي عام ولا مناص من التنصل من المسؤولية، فأرواح المواطنين أمانة، ومن هنا يجب أن نلتفت لأمر مهم للغاية، هو أن يعي الفرد مقدار المسؤولية التي يتحملها، فنحنُ جميعاً نتحمل جزءا من مسؤولية إماطة الأذى عن الطريق، ففي حال وجدنا مثل هذه الحفر فنحنُ نمتلك من المبادرات التي من الممكن القيام بها، فالتبليغ عنها لدى الجهات المسؤولة ومتابعة الأمر فهو شأن يعنينا بالدرجة الأولى، والأمر الآخر هو محاولة المُبادرة في تغطية مثل هذه الحفر المميتة بالتعاون فيما بيننا، وعدم الاتكال بشكل كامل على جهات غافلة أو مُتغافلة عن واجباتها الوظيفية، فالأمر إنساني بالدرجة الأولى، ونتمنى أن يتم تفعيل خط ساخن للتبليغ عن كل ما يستدعي التقويم، أو أي مُلاحظات واقتراحات تُقدَّم لتحسين أي جانب فيما يخدم العامة، كما تفضل أحد المواطنين وهو عبدالله سعد آل عبدالله من العاصمة الرياض، إذ قام برسم فكرة مميزة لحل مشكلة غرف الصرف الصحي للتقليل من خطر الحوادث المميتة في حال السقوط فيها، وقام بنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبهذا يتضح دور المواطن التكميلي مع الجهات المسؤولة، لتتضافر الجهود فيما فيه مصلحة الوطن.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.