آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

يسار و«أناركية»

نذير الماجد صحيفة الشرق

بإمكاني أن أضع التاريخ السياسي والفكر السياسي بين أقنومين متصارعين: السلطة وضدها. ففي قلب هذا الصراع يتحرك التاريخ ممطراً سيلاً من الثنائيات التي يمكنها أن تشكل رديفاً. نستطيع تلمس ظواهر صراعية تتخذ أشكالاً وعناوين متعددة.. اليمين واليسار، المثالية والواقعية، الفوضى والنظام، كلها تتخذ الجذر الأقنومي نفسه، السلطة والمؤسسة والنظام والاستقرار من جهة، والغريزة واشتهاء الحرية والثورة والفوضى من جهة أخرى.

إن المعادل السياسي للميثولوجيا الزرادشتية التي تحكي لنا الصراع الأزلي بين أهرومين وأهرومازدا «أصل الشر وأصل الخير» الذي لا ينفك يؤثث التاريخ ويطبعه بطابعه ليس سوى صراع مضمر حيناً ومكشوفاً في أغلب الأحيان بين تمجيد للدولة والمؤسسة على الطريقة الهيغلية، أي بصفتها المآل العقلاني للروح الكلي أو المطلق، وبين نزوع لأقصى اليسار، أي نحو نفي كل أشكال السلطة بحيث تصبح الفوضى هي الأنموذج المثالي للفرودس الأرضي.

الفوضوية نعت ازدرائي لفصيل يساري يتهمه خصومه بالطوباوية، فهذا اليسار الطوباوي الذي يتخطى المنهج العلمي في تقويضه شتى تمظهرات السلطة، ليس سوى بيت فانتازي، بيت تنسجه عناكب «اليوتوبيا» والأحلام السعيدة، ولكن أيضاً الخيبة القدرية. مع ذلك، البيت الفانتازي «الكارتوني» هذا، هو نفسه الرحم الذي أنجب الماركسية والاشتراكية العلمية التي ما كان لها أن تتبلور وتميّز ذاتها لو لم يكن ثمة جهد نقدي بذله اليسار الماركسي ودشنه ماركس عقب مداخلته المبكرة والشهيرة ضد الاشتراكي الفرنسي «برودون» في كتابه «فلسفة البؤس» الذي لم ير فيه ماركس سوى نسج عنكبوتي وطوباوي آخر، يتخذ عنواناً اختاره ماركس لكتابه في صيغة مقلوبة «بؤس الفلسفة».

لهذه الأسباب وغيرها، يفضل الفوضويون نعتاً سلبياً يربطهم بأصل الصراع من منظورهم ويخلي ساحتهم في الآن نفسه من تبعات التسميات الإثباتية، فالرهان ليس على الفوضى أو إشاعتها أو حتى الحرية ذاتها، وإنما فقط على نفي السلطة. هكذا يتوجب على كل تعريف أمين أن يبدأ من هنا، الفوضوية ينبغي أن تصبح «أناركية» أي ضد السلطة كما تعني في الأصل الإغريقي، وما ذلك إلا لأنها مناهضة لكل أشكال التسلط والنظام، أكثر بكثير مما ذهب إليه «أكتون» المؤرخ الإنجليزي، فليست السلطة المطلقة فقط هي الشر والمفسدة، بل الدولة والسلطة هي نفسها تجسيد لشر وخطأ تاريخي، فلأنها المآل العملي لكل أيديولوجيا خانقة، لا بد من استنفار كل شيء لتقزيمها، لابد من خوض المعركة ضدها حتى وهي في طور البذرة والكمون، كما لو كانت تجسيداً حياً لأهرومين، ذلك الشيطان المجوسي.

أينما تقع السلطة تقع الحرب والنضال والأدب الملتزم. إن الكراهية الأناركية للسلطة لا تقتصر على المؤسسة السياسية والبيروقراطية أو على الجهاز الحكومي، كل مؤسسة هي جرثومة قمعية، «هناك ميل فطري لدى جميع المؤسسات الإنسانية للتحول إلى كيانات قمعية» يقول «كولين وراد» وهو أحد الأناركيين الجدد، من هنا ستتسم كل مؤسسة بالسمات نفسها التي يتسم بها كل كيان طارئ ومؤقت واضطراري.

الحضور المكثف للسلطة يترجم ذاته في الخطاب الأناركي في صورة مكتملة للشيطان. السلطة شر إذن، شر ميثولوجي أو لعنة أنزلها التاريخ بالمجتمع المتحضر. يقدم لنا الأناركي هذا المبدأ بحسم لا تراجع فيه، فالسلطة شر ورذيلة لأنها هيمنة وقيد يعيق التدفق العفوي للطبيعة الإنسانية. كل الأدبيات الأناركية وهي تعي ضرورة السلطة والمؤسسة بصفتها استجابة ضرورية للحاجات البشرية، تؤكد من جهة أخرى على ضرورة لجم هذا البعبع التسلطي بترشيقه وتقليصه، وذلك طبعاً في كل موقع توجد فيه السلطة والمؤسسة، بدءاً من التعليم وليس انتهاء بالسجون.

وفيما تضيق الأناركية على السلطة بصفتها تجسيد رذلي بحت، تتسع من ناحية أخرى على خاصية الترذيل نفسها، لتصبح آفة تسم اليسار برمته، وما اليساري سوى ذلك الذي يعرف كيف يمقت ويزدري ويعارض، وبكلمة: كيف يكون انشقاقياً، على هذا النحو يتحدد اليسار جوهرياً ليس فقط بصفته مواجهة ضد الساحرة «السلطة» التي أطلقت كل الشرور من «صندوق باندورا»، وإنما كمواجهة ضد الشريك اليساري نفسه، هكذا أفهم الاختلافات البينية بين يسار ماركسي ويسار أناركي حول مفهوم الدولة ومفهوم الصراع الطبقي، إلخ. اليسار يحمل جرثومة النفي في داخله، كما لو كانت سيرورة النفي لما هو خارجي وطارئ «تتشقلب» على نفسها في صورة تقليص للذات، أما الآخر الرأسمالي المهيمن فيتفرج ضاحكاُ وهو يطلق كل شروره من الصندوق الأسطوري.

أظن أن المرحلة تتطلب تحييد الخلافات الداخلية إلى الحد الذي يتسع فيه اليسار لاحتضان كل أيديولوجيا احتجاجية، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور العولمة مروراً بالأزمة الشهيرة للرأسمالية في 2008 وانتهاء بعام 2011 سنة الأحلام الخطيرة كما يسميها الكاتب اليساري «سلافوي جيجيك» إذ اليسار اليوم رغم كل التراجعات والخيبات يشهد انتعاشاً وحضوراً متزايداً، بحيث تبدو اللوحة متسعة لكل «اليسارات» بما فيها اليسار الأناركي الطوباوي الذي ليس بوسعه سوى «أن يهدم وينشر الضجيج ويوسع الكل نقداً وهدماً ولا يقدم الحلول»!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
محسن
[ القطيف ]: 23 / 12 / 2014م - 2:22 م
لمن تكتب هذه الألغاز؟!
للنخبة؟!
لغتك لازالت بعيدة عن الشارع
هلّا تبسطت؟!
2
هاشم عيسى
[ واحة القطيف ]: 24 / 12 / 2014م - 7:59 م
مقال ماتع وناضج أيها السيد ,,
واصل الحضور والكتابة
هناك نكهة يسارية تفوح منها كلمات هذا المقال
ليس في الموضوع لغة نخبوية ,, كل ما في الأمر إن كنت أهلا لتلك النوعية من النقاشات والمواضيع ستفهمها بتعقيدها ,, فما حلاوة الفلسفة بلا حفنة من التعقيد ؟!

هناك تضمينات عديدة يحملها هذا النص
السلطة والمؤسساتية = الجمود والثبات
اليسار والفوضوية = الحركية واللا ثبوت

السلطويون لغتهم لغة تمجيد , مدح , ثبيت دعائم ,, إرساء للسائد أكثر وأكثر

اليساريون لغتهم : لغة نقد عنيف ,, هدم ,,

بالطبع الموضوع ليس فتفضيل تيار على تيار فكل يحمل مزاياه وخطاياه ولكن معرفة أي نقف من المعرفة , التاريخ , الحياة والإنسان.

وكأني أرى شومسكي يكتب هنا !