آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 10:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في سيكولوجية اليتم

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

في النظام الاجتماعي في الإسلام، تبرز قضية اليتيم ضمن نسق إنساني متفرد، تتسع دوائر فعله وأطر اهتمامه ورعايته؛ بحيث تتوفر أعلى درجات الضمانة التي تمنع أي تجاوز بحق اليتيم. وهذا الاهتمام يظهر ضمن منظومة تشريعية نصوصيّة، شرعيّة وأخلاقية، تركز على عدم المساس بحقوق اليتيم الماديّة والمعنوية.

ولذلك، تنصبّ مجموعة كبيرة من الجهود الرسمية والأهلية في سبيل توفير المناخ الحياتي الكريم للطفل الذي أخذ اليتم تأثيره على واقعه، وألبسته الظروف مشاعر الكآبة، وربما البؤس والحرمان العاطفي الذي يقع على اليتيم نتيجة غياب حنان الأب والأم.

إن اليتم تجربة مؤلمة وصادمة جدّاً، ولكن اللطف الإلهي يخفِّف كثيراً. فنبي الإسلام والهادي إلى المحجة البيضاء، الرسول الأكرم - ﷺ - نشأ يتيماً، كما اقتضت المشيئة الإلهية، وهو الذي أخرج الناس من عمى الجاهلية إلى بصيرة الإسلام، ضمن رسالة أكدت المعاني الإنسانية، ووضعت رعاية اليتيم ضمن أولوياتها.

ولعل بعض الدراسات التي قاربت قضايا اليتم من جهة الآثار الواقعة على منطقة المشاعر بالذات، أظهرت حجم المعاناة التي يمر بها كل يتيم ولو بدرجات متفاوتة، تبعاً لمجموعة الظروف التي تحيط بهذا اليتيم أو ذاك. ولذلك، تحتاج مثل هذه القضية جهوداً مستمرة، تتبنى خططاً تربوية واجتماعية ذات محتوى تمكيني، يعوض المعاناة التي تفرزها مثل هذه التجربة التي تحرك المشاعر الإنسانية النبيلة.

ومن زاوية أخرى، يلحظ وجود شخصيات قيادية كبيرة، وأعلام لامعة في الأفق الإنساني، من العباقرة والرموز الإنسانية، كانوا أيتاماً، ولكنهم كانواً أرقاماً لافتة في التاريخ والجغرافيا، وهذا الأمر قد تعطي حوله الدراسات الوصفية أو التحليلية التي تناقش قضية سيكولوجيا اليتم أو سيكولوجية اليتيم ونحو ذلك، بيد أنّ الإيمان بالله سبحانه وتعالى يقتضي أن يكون التراحم أصالة إنسانية مبدعة في الواقع المجتمعي الذي يستطيع أن يحقق ملامح المجتمع الناهض، ويتفرد في صناعة المعاني الإنسانية الكريمة.

بعض من الأفارقة الهنود المسلمين الذين يعيشون في الغرب لديهم مشاريع إنسانية كبيرة في رعاية اليتيم، ويبذلون جهوداً تؤكد فهماً واعياً لما يمكن أن يحققه المجتمع المتكافل والمتعاون في الفضاء الإنساني الرحيب.

لدينا جمعيات ومشاريع تعنى بكفالة اليتيم، وربما تتكامل الجهود الرسمية والأهلية لتحقيق مثل هذه الرعاية، ولكننا كما أظن بحاجة إلى استدعاء وتفعيل مايطلق عليه بمفهوم تمكين اليتيم، وصياغة استراتيجيات تستطيع من التزامن والقدرة المعاصرة في توفير مناخ نفسي واجتماعي يحول بعض معاناة اليتم إلى نجاح وإبداع، في ظل توفر كل الإمكانات المعرفية والتقنية التي تنتج صناع الحياة والفكر والمعرفة والإبداع والعبقرية.

وإن شحّ الدراسات التي تهتم باليتيم سيكولوجياً وندرتها، يحتاج إلى التفات وتفعيل ذلك في سياق الأطروحات العلمية وأبحاث الدراسات العليا في الجامعات والكليات والمراكز البحثية ذات العلاقة، بل يدعو إلى تأسيس كرسي دراسات في هذا الشأن.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.