آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 2:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

مميزات مدرسة الشيخ الأوحد ومنهجها العلمي «1 - 2»

سامي بو خمسين

مقدمة: [1] 

الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي «الأوحد» فيلسوفا فقيها مربيا عرفانيا ومؤسسا لمدرسة جديدة لم تخضع لنظام الواقع والمنظومات التقليدية الموروثة، مهما كانت متجذرة وممتدة، كان الأب الروحي لمدرسة جديدة تخطت حواجز الهيبة والجمود والمسميات الحاجبة، من قبيل المعلم الأول والشيخ الرئيس... وما شابه، فقد أعاد للفكر حريته وللفلسفة وجدانها وللقيم حقها، وايقض التفكير الفطري السليم، بعيدا عن السبات والاسترسال الملبد للحواس والعقل.

بفكره الثاقب وجرأته الأدبية، استطاع أن يكسر جدار الجمود، ليصبح أول ناقد وآخر ناقد مميز لآخر المدارس الفلسيفة الإسلامية في عصره، نقد مؤلفات من اعتبر طود من أطواد الفلسفة، ووريث مدرسة اليونان الممتدة، والتي تمكنت من عقول الغرب والشرق، وأعني به الملا صدرا الذي توقفت عنده سيول الفلسفة، وحطت رحالها سنين عديدة ليأتي الشيخ احمد بن زين الدين، فيرفع عنها الجمود ويفتح لها مغالق السدود لتعدو منطلقة تنفض عنها غبار السنين وكدورة الوحل والطين، وتعدو مسرعة نحو النور الأنقى والنبع الأزكى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، بعد أن شطحت وتخبطت في بحر اليونان والإغريق في العقول القاصرة والنفوس الضيقة، فأصلح ما أفسده ذوق البشر وكدره قصر النظر، فخط طريقا أيقظ الغافلين، ونبه المستغفلين والمبهورين بمزوق الكلام.

لقد جاءت مدرسته الجديدة بعد جمود واستلاب للفكر، وبعد اختلال لمفهوم التوحيد والقرآن التزم به المسلمون بلا ملزم من شرع أو دين، حتى اضطروا لإخضاع مسلماتهم العقلية ومبادئهم الشرعية، استجابة وخضوعا لذاك الفكر الخاطئ فقُدِم على القرآن وكلام الانبياء.

لقد قام الشيخ الأوحد بكشف مثالب ذاك الفكر، عبر القرآن والسنة، ونقد انحرافه عن الرسالة الحقة، والفطرة السليمة وقد اتيحت له الفرصة فزار مجموعة من البلدان والتقى من يتعطش لمعرفة الحق والحقيقة فناقش المعترضين.. وأوضح للمستفسرين وكتب الردود والرسائل للسائلين، حتى أدى واجبه في البيان والبينات، وغدى في عصره من أشهر العلماء والعرفاء، فخاطبه السلطان وقدمه العالم المخضرم الصمصام، وحاربه الجاهل المقدس لما مضى والرافض لكل جديد مفيد، بزعم أن القديم هو الأصل والأصيل خلافا لسنة الحياة وتطورها وتقدمها.

لقد اصبحت فلسفته من أشهر الفلسفات، دعمها بالأسفار والنقاشات وتأليف كتب النقد ورسائل المطولات، أكد على اتباع العترة الطاهرة، في كل علم وفن، فهم عنده سادة البشر والحبل الممتد بين السماء والأرض، هاجم الفلسفة التقليدية في عصره ورفض جمودها.

لقد آمن الشيخ بمنهجه واستنتاجاته، فقد كان مليئا بالمهارات ولم يكن ممن يكدس المعلومات، كان ينشد الحقيقة ولم ينغمس في تقديس الماضي، لقد اعتمد على مهاراته الفطرية، في قراءة الموروث، ونقده وتمحيصه، واكتشاف هناته وثغراته، ثم قام بحل مشكلاته، بطريقة رشيدة ومنهج علمي سديد اوضح معالمه وبين أسسه ومداه، أين يبدأ ومتى ينتهي؟ بحث عن الحلول في منبعها الصافي، ومصدرها الحقيقي، فأصلح ما اصلح وأوجد الحلول لما عجزت عنه فحول المدارس الفلسفية وكشف أسباب تعثرها.

ولا شك أنه وجه ضربات قاسية لمدارس تربعت على عرش الفلسفة والتصوف والعرفان سنين عديدة، تمكنت خلالها من إبهار عقول كثيرة، لكنه امتشق نور العلم ونقد من سبقه نقدا حصيفا، وأسقط من الحسبان وهم الإنسان الذي يتجاهل رسالة الرحمن.

فقد بين في كتبه ورسائلة ومجالس علمه، الأسباب التي دعت من سبقه من المسلمين للوقع في تلك الزلات العظيمة، ولم يكتفِ بل وضع الطرق السليمة والمسارات الصحيحة الموصلة للحقيقة، ومن ثم محاكمة الأفكار وما اعتبر من المسلمات الفلسفية.

الباب الأول: مميزات مدرسة الشيخ «الأوحد» أحمد بن زين الدين

الفصل ألأول: الأصالة ومحورية أهل البيت

باعتبار أن ”الشيخ ألأوحد“ قدس سره هو المؤسس والمبلور ل ”نظرية إبداع الوجود“، وأهم وأبرز المعارضين لمقولة ”الفيض“ و”وحدة الوجود“ وسوى ذلك من أراء الفلاسفة والمتصوفة، فلا بأس أن نتعرّف على مصادر المعرفة لديه.

إن التكوين الثقافي للشيخ الأوحد، أثّر تأثيراً بالغاً في توجهاته الفكرية، فقد كان عالماً بالشريعة متشبّعاً بها، وكان على دراية كبيرة بالروايات، وتفاسير القرآن، وهذا ما انعكس على آرائه الفلسفية والعقائدية، وموقفه من المتصوفة والفلاسفة المسلمين، إذ لاحظ أن أكثرهم قد وقع في أخطاء لا يمكن لمن كان له دراية بالقرآن والحديث أن يقع فيها.

تلك الدراية، قد أعطته التميز والذوق الخاص، في تناول المسائل الفلسفية والعقائدية، وانعكست بشكل تلقائي على ما يعتبره مصادر للمعرفة، ويمكن تقديم تلك المصادر من خلال عرض بعض كلامه.

يقول لولده الأكبر محمد تقي[2] : وإذا أردتَ أن تعرف صدق كلامي فانظر في كتبي ألحكمية فإني في أكثرها وفي أغلب المسائل، خالفت جُلَّ الحكماء والمتكلمين، فإذا تأملتَ في كلامي رأيتَه مطابقاً لأحاديث أئمة الهدى ، ولا تجد حديثاً يخالف شيئاً من كلامي، وترى كلام أكثر الحكماء والمتكلمين مخالفاً لكلامي، ولأحاديث الأئمة ، حتى بلغ منهم الحال إلى أن أكثرهم ما يعرفون كلام الإمام ، ولكن إذا أردت البيان، فلتنظر بعين الإنصاف لتعرف صحة ما ذكرت... "[3] .

وفي نص آخر، يقول الشيخ الأوحد: "وأنا لمّا لم أسلك طريقهم  الحكماء  وأخذت تحقيقات ما علمتُ من أئمة الهدى،

لم يتطرق إلى كلماتي الخطأ "[4] .

وعندما قيل له مرّةً: ”أن بعض المجتهدين يعترض على آرائك؟، قال: هل لا يزال في المسلمين من يرد على ما قال الباقر؟، وما قال الصادق؟، فإني لم أقل شيئاً غير قولهما“.

لا شك أن العلوم والمعارف البشرية تتراكم ويبني بعضها على بعض، «وهذا الذي ادّعاه الشيخ، والذي يمكن اعتباره منهجاً جديداً في علم الحكمة، هو عدم اعتماده على القواعد المقررة مسبقاً في علم الفلسفة وحدها، بل ابتدع أدواتٍ فلسفيةً جديدةً مبتكرةً، معتمِداً على أخبار أهل البيت ، فهو يعتمد الحكمة المستخلَصة من تراث الأئمة ، ولا اعتبار عنده بما لا تقره أخبارهم[5] .

ويؤمن ”الشيخ الأوحد“ في منهجه الفلسفي ذاك، ”بعجز العقل البشري عن التشريع، فالمرشد للعقل في جميع استنتاجاته، هو التشريع السماوي المحفوف بالعصمة الإلهية، فلازم على العقل اتباع الدليل التشريعي حتى يأمن الزلل، وبالأخص في الأمور العقائدية، لأن العقائد كلَّها موقوفةٌ على الوصف والنعت، لتوحيد وتنزيه صفات وأسماء الباري تعالى، وكل ذلك توفيق من الحق سبحانه لا يقاس بالعقل“ [6] .

ويضيف الشيخ: ”كما أن الشريعة الإسلامية، اهتمت بالأمور الصغيرة جداً، وجعلت لها أحكاماً خاصة، فمن الأولى الرجوع إلى التشريع السماوي في الأمور العقائدية“ [7] .

اختط الأوحد لنفسه منهجا جعل فيه المركزية في البحث والتبيين والتدقيق معارف آل رسول الله فهو لا يلج القرآن إلا من خلالهم، ولا يدلج للسنة إلا من بابهم، ولا ينظر في نفسه وفي الآفاق إلا مسترشدا بهداهم، بل جعل أهل البيت محور حياته وعلمه وبحثه وتبليغه، كما اتخذهم مقياس للحقيقة وحكما وميزانا ومصدرا لكل علم، فالرأي السديد رأيهم، والحكم والفصل لهم، فلا يقدم قول أحد على قولهم فهم النهر العذب الزلال والباقي مشارب شتى.

وهذا ما يدعونا للجزم بأن الشيخ الأوحد وهو يعمل على تشييد مدرسته الفكرية، سعى كما هو واضح في جميع ما ألف أو كتب، إلى عدم التأثر بالأفكار الدخيلة، التي لا تنتمي للإسلام الأصيل، والأصيل عنده هو ما لا يخالف القرآن الكريم، وما ورد عن أهل البيت ، لأنه يرى انهم المحور، وكان شعاره: «ومن لم يأخذ عنا يشرب من عيون كدرة»، وغير ذلك أي ما جاء عن غير العترة المطهرة، يعتبره تخمينات بشر قابلة للخطأ والصواب.

الفصل الثاني: النقد والمقارنة

لقد كان الشيخ ”قدس سره“ ناقداً بصيراً، ومقارناً حاذقاً يمتلك ذهنية الباحث عن الحقيقة التي لا تأخذ ما هو مشاع بين الناس على سبيل المسلمات، وإنما تخضعه لميزان النقد والتمحيص والتأمل ومن ثم لميزان القبول والرفض

والشيخ الأحسائي كانت عقليته نقاده، له في كل مسألة رأيه الخاص الذي تتجلى فيه شخصيته وعبقريته وسعة اطلاعه، وقدرته على تفكيك المسائل المعقدة إلى جزئياتها ومن ثم تركيبها بالطريقة التي تتوافق مع منهجه ورأيه البحثي، وقد تجلى منهجه النقدي بشكل واضح في كتابيه

”شرح العرشية“ و”شرح المشاعر“ للملا صدر الدين الشيرازي الذي يعد أحد أبرز نوابغ الفلسفة الإسلامية ومجدديها، ويتضح ذلك من خلال موقفه ونقاشة لأراء واستنتاجات بن العربي وغيره من الفلاسفة.

وأسوق مثالاً على ذلك في رده على مقولة: الله سبحانه علة العلل

وهي: «ما عن الفلاسفة من أن الذات الأزلية علّةٌ تامّةٌ للأشياء، وتصدر منها على ضوء مبدأ السنخية والمناسبة، حيث إن الحقيقة الإلهية  بوحدتها وأحديتها  جامعة لجميع حقائق تلك الأشياء وطبقاتها الطولية والعرضية، ومنها: أفعال العباد، فإنها داخلة في تلك السلسلة التي لا تملك الاختيار ولا الحرية.

وجوابه على ذلك قدس سره: أن هذه النظرية خاطئة من وجوه:

الأول: أن هذه النظرية تستلزم نفي القدرة والسلطنة عن الذات الأزلية، أعاذنا الله من ذلك.

الثاني: أنه لا يمكن تفسير اختلاف الكائنات بشتى أنواعها وأشكالها ذاتاً وسنخاً، على ضوء هذه النظرية، وذلك لأن العلّة التامة إذا كانت واحدة ذاتاً ووجوداً وفاردة وسنخاً، فلا يعقل أن تختلف آثارها وتتباين أفعالها، ضرورة استحالة صدور الآثار المتناقضة المختلفة، والأفعال المتباينة من علة واحدة بسيطة، فإن للعلّة الواحدة أفعالاً ونواميس معينة لا تختلف ولا تتخلف عن إطارها المعين، كيف؟، حيث إن في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ السنخية والمناسبة بين العلة والمعلول، ومن الطبيعي أن القضاء على هذا المبدأ، يستلزم انهيار جميع العلوم والأسس القائمة على ضوئه، فلا يمكن - عندئذ - تفسير أية ظاهرة كونية ووضع قانون عام لها، ودعوى الفرق - بين الذات الأزلية والعلة الطبيعية: هو أن الذات الأزلية وإن كانت علّةً تامّةً للأشياء، إلا أنها عالمةٌ بها دون العلة الطبيعية، فإنها فاقدةٌ للشعور والعلم - وإن كانت صحيحة، إلا أن علم العلّة بالمعلول، إن كان مانعاً عن تأثيرها فيه على شكل الحتم والوجوب بقانون التناسب فهذا خلف، حيث إن في ذلك القضاء الحاسم على علّية الذات الأزلية، وإن تأثيرها في الأشياء ليس كتأثير العلّة التامّة في معلولها، بل كتأثير الفاعل المختار في فعله، وإن لم يكن مانعاً عنه - كما هو الصحيح -، حيث إن العلم لا يؤثر في واقع العلية وإطار تأثيرها، فلا فرق بينهما عندئذ أصلاً، فإذاً ما هو منشأ هذه الاختلافات والتناقضات بين الأشياء؟، وما هو المبرر لها؟، وبطبيعة الحال لا يمكن تفسيرها تفسيراً يطابق الواقع الموضوعي إلا أن نقول: أن صدور الأشياء من الله سبحانه بمشيئته وإعمال سلطنته وقدرته، وقد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية، وزاوية المعاليل الطبيعية، وعلى أساس هذا الفرق تحل المشكلة.

الثالث: أنه لا يمكن على ضوء هذه النظرية إثبات علّة أولى للعالم، التي لم تنبثق عن علّة سابقة، والسبب في ذلك، أن سلسلة المعاليل والحلقات المتصاعدة، التي ينبثق بعضها من بعض، لا تخلو من أن تتصاعد تصاعداً لا نهائياً، أو تكون لها نهاية، ولا ثالث لهما، فعلى الأول، هو التسلسل الباطل، ضرورة أن هذه الحلقات جميعاً معلولات وارتباطات، فتحتاج في وجودها إلى علّةٍ أزلية واجبة الوجود كي تنبثق منها، وإلا استحال تحققها، وعلى الثاني، لزم وجود المعلول بلا علّة، وذلك لأنه إذا كانت للسلسلة نهاية فبطبيعة الحال تكون مسبوقة بالعدم، ومن الطبيعي أن ما يكون مسبوقاً به ممكن، فلا يصلح أن يكون علة للعالم ومبدأ له، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه لا علّة له، فالنتيجة على ضوئهما هي وجود الممكن بلا علّة وسبب وهو محال، كيف؟، حيث إن في ذلك القضاء المبرم على مبدأ العِلّيّة، فإذاً على القائلين بهذه النظرية أن يلتزموا بأحد أمرين: إما بالقضاء على مبدأ العِلّيّة، أو بالتسلسل، وكلاهما محال.

الرابع: أن لازم هذه النظرية انتفاء العلّة بانتفاء شيء من تلك السلسلة، بيان ذلك: أن هذه السلسلة والحلقات حيث إنها جميعاً معاليلُ لعلّة واحدة، ونواميسُ خاصةٌ لها ترتبط بها ارتباطاً ذاتياً، وتنبثق من صميم ذاتها ووجودها، فيستحيل أن تتخلف عنها، كما يستحيل أن تختلف.

وعلى هذا الضوء، إذا انتفى شيء من تلك السلسلة، فبطبيعة الحال يكشف عن انتفاء العلّة، ضرورة استحالة انتفاء المعلول مع بقاء علته وتخلُّفِه عنها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه لا شبهة في انتفاء الأعراض في هذا الكون، ومن الطبيعي أن انتفاءها من ناحية انتفاء علتها، وإلا فلا يعقل انتفاؤها، فالتحليل العلمي في ذلك، أدى في نهاية المطاف إلى انتفاء علّة العلل، وعلى هذا الأساس، فلا يمكن تفسير انتفاء بعض الأشياء في هذا الكون، تفسيراً يتلاءم مع هذه النظرية، فالنتيجة في نهاية الشوط: هي أن تلك النظرية خاطئة جداً، ولا واقع موضوعياً لها أصلاً[8] .

وهذا مثال آخرمن كلام الشيخ الأوحد في النقد والمقارنة في تبيان موقفه من مقولة أن الله لم يخلُقُ من ذاته:

"لم يخلق الله الخلق من ذاته، وأصلها ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولامن تجلّي الذات للذات، فإنه باطل ويوجب قدم العالم، وهو حادث.

والتجلّي مقام حدوث، وخلق المشيئة، وفعله بها، والمفعولات بفعله، ومقاماته، مقام حدوث، وترجع النّسَبُ والإضافات، والخالقية، والمخلوقية، ونحوها، لمقام الحدوث، والله - الذات بأحديتها التي هي عينها - منزَّهٌ عنه ثبوتاً وعدماً.

وأول التجليات: تجلي الذات بالصفة التي عرفتها بها لها، لا بأحدية الذات وحقيقتها، والتجلي الصفاتي تجلي الله بهذه الصفة لغيرها، وهو ما دونها، قالوا : ”خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة“ [9]  فتدبر، وليس تجلي الحق للخلق كما قاله الملا[10]  وأتباعه[11]  تلامذة ابن عربي[12] ، والتجلي مقام حدوث، وكذا المعرفة، وهو مقام إمكان، وليس فوقه إلا الذات المنزّه عن كل غير، فليس حينئذٍ متجلًّ وتجلٍّ ومتجلَّى له، فتدبر، ودعهم في طغيانهم يعمهون[13] .

"القول الثالث وبه يتضح الحق والجمع بين الأحاديث، وبيان وجه الصحة لبعض تلك الوجوه على وجه، وبطلان كلام المتصوفة هنا وأشباههم، بعد أن تستيقن أن كل ما يُعرف بحقيقته فليس بواجب وجود، وكيف يدرك المعلول والأثر علته ومؤثره، وكلُّ ذي مقامٍ لا يتجاوزه؟، فالممكن لا يتجاوز الإمكان.

وعن علي : ”وإنما تحدُّ الأدواتُ أنفُسَها، وتشير الآلات إلى نظائرها“ [14] ، ومنتهى الممكن إلى الإمكان وإلا لم يكن ممكناً، ولا ذِكرَ لغيره معه بوجه مطلقاً، لا نفياً ولا ثبوتاً، والكل ممتنعٌ ومنفيٌّ معاً، بمعنى عدم إمكان غير إلا ثبوته في الإمكان، فيعود النفي للممكن لا إليه تعالى، وإلا صلح الثبوت فيه أومعه، وهو محال.

وأيضاً مباينته لخلقه مباينة صفة، كالشعاع من السراج، فلا يُدركه ولا يكون معه، وإلا كان سراجاً، وليس كذلك، فيكون ما سواه تعالى اسماً له وصفة دالّة، ولا بد من دلالة الصفة والاسم على الموصوف والمسمى، لكنْ دلالةَ تعريفٍ لا إحاطةٍ واكتناه، فإن ظهور المسمى والموصوف بما ظهر له به، وفرق ظاهر بين ظهور الذات، أو قل: الذات الظاهرة، والذات نفسها.

فإذن لا يُعرفُ إلا بالأثر ولا طريقَ غيرُه، فإنه ظهور له به لا بذاته، بل بصفة الدلالة الفعليه، قال : «تجلى لها بها، وبها امتنع منها» [15] ، وقال : «بها تجلى صانعها للعقول» [16] ، ولا يكون بتجلي الذات، فإن الحادث لا يسعه، فإن التجلي له ظاهر، فهو مقام تقييد، ولو كان إطلاقاً أثرياً.

وليس للأثر ماهيّةٌ وأعيان قديمة، كما زعمه الملا[17]  والكاشاني [18] ، بل في نفس الاِنوِجاد، وقبول الوجود له بنفس ذلك الجعل، فهي حدود الوجود المجعول، وهي مجعولة بالوجود، أو قل: بجعل بعده رتبة عن يساره، فللوجود المجعول - وهو الموجود - نظرٌ باعتباره لمن فوقه، وآخرُ في نفسه، وآخرُ لمن دونه، وأنت إذا لحظته بالأخيرين، فهو أثر يدل على مؤثر، ولم تلاحظه بكونه أثراً للغير وصفته.

وإذا لاحظته به - وهو الوجه الأول، وهو وجهه من أمره وبدء وجوده، ومقام الفؤاد وأقرب مقاماته - فلا شك أنك  حينئذٍ  تقطع ملاحظته لجميع قيوده، العقلية والنفسية، والخيالية والحسية، بغير قيدٍ وكيفٍ ونحوها، وإلا كانت قيوداً، والفرض عدم ملاحظتها واعتبارها، لا عدم وجودها أصلاً، وحينئذٍ، تعتبره مجرداً عنها، فلا يكون حينئذ إلا صفة ظهور، وهو ما دلك عليه بك له، وهي حقيقة الإنسان والفطرة الأولية، فقد عرفته حينئذٍ به، وليس لك مقام فوقه، فهذا تعريف ظهور الذات، أي ذاتٌ ظاهرةٌ، وهو دون مقامها بحسب ذاتها.

وفي هذا المقام أخطأ المتصوف والملاّ وأشباههم، فقالوا هذا هو اللّه، وقالوا بوحدة الوجود، وجعلوا حدود الأشياء قائماً بذاته وله مقارنة به، فظهر لهم لزوم تكثّر الذات وقيام الكثرة به تعالى، مع لزوم تلك القاعدة والقول الشيطاني، فهو لازم الانبساط، فقالوا بعدم المنافاة، فهو أحديٌّ وكثيرٌ من جهة واحدة بلا منا فاة، وهذا قول من لا يفهم اللفظ، ومن لا يفرق بين الممكن والمحال، وفسروا الممازجة بين الشيئين والوجودين  وليس إلا وجود الأشياء الممكنة - اعتبارية، مغايرة له بالمفهوم لا بالحقيقة، والشيء لايمازج نفسه ولا يباينها، وأثبتوا له تعالى لوازم، وكلها أقوال ضلال.

وقالوا: هذه حقيقة معرفته به، وهي الفناء فيه سبحانه وتعالى، بل هي ظهور صفة الدلالة والذات الظاهرة الدالّة، وفيك - بحسب الفؤاد وبدء وجودك - قبسٌ نوريٌّ من هذه الدلالة، إذ لم تعتبر سبحاتك فأنت حينئذٍ هو، أي ظهوره لك بك، إلا أنك صفته وعبده.

والصفة غير الموصوف، فإنه تعالى لم يظهر لك بذاته، كما تقول: القائم زيد، إلا أنه صفته، وإذا لحظت القيام فهو معناه، أي صفته الدالة، وبحسب مقامه يكون أثره، وبحسب ظهور العلة به يغيب حكم الصفة، ويصدق حينئذٍ أنك عرفته به، أي بظهوره، ومقام المعرفة مقام تعريف، لا مقام اكتناه، ولذا قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ”من عرف نفسه فقد عرف ربّه“ [19] ، فأثبت معرفته بمعرفة النفس، فتكون هي هي في نفس الأمر، وهذا بحسب الظهور - أي ظهور الظاهر - وهو بفعله، ولم يقل صلى اللّه عليه وآله وسلم: عرف ذات الله، ولو كان كما يقول أهل وحدة الوجود - وأن حقيقة الإنسان وجود الله والتفاوت بالصفة الاعتبارية - لم يقل: «عرف ربه» بل كان يقول: ذاتَ ربه، ولما قال في كتابه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[20] ، فأثبت المعية أين كنّا، أي بظهورنا، فهي ظهوره لنا بها لا بذاته، أو تقول: ظهورنا به، أوتقول: بِحِسِّنا لأنفسنا أو بدلالة آيتنا عليه، فهذه مقامات معرفته بالأثر أو به له.

وكل مقام من مقامات المعرفة - إذا لحظته بمقامه - فهو معرفته بما ظهر لذلك المقام، له به لا بذاته، والإحاطة والاكتناه مستحيلة، فالباب مسدود، ونهاية الطلب العجز، والمعرفة معرفة رسمية اسمية، ولا يتجاوز الممكن مقام الإمكان، ولا يسعه الأزل ولا بالعكس، ولا تجمعها حقيقة واحدة، فميّز ذلك يظهر لك الحق.

والجمع بين الروايات، وكلام الحسين يوم عرفة، وكذا بعض أحاديث الباب يوضح ذلك، ويظهر لك ما في كلام كثيرٍ من الخبط والضلال، ويظهر لك أن الغاية فعله وأمره، لا ذاته، وكذا البَدءُ من أمره، وهو خالق الخلق بالمشيئة، لاكما تقوله المتصوفة هنا مثل الملاّ[21] والكاشاني[22] .

وتعريف توحيد خواص الخواص المطابق لكلام أهل البيت وترجمان الوحي، لا كما قاله الملاّ[23]  وأشباهه في التوحيد الوجودي والأفعالي.

ومن دعاء الإمام الحسين يوم عرفة: «إلهي أمرتَ بالرجوع إلى الآثار، فأَرجِعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، حتى أرجع إليك منها، مضمون السرّ عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير» [24] .

فتعرفه من جهة الأثر: أنه وحده لا شريك له مطلقاً، ولا ندّ ولا ضدّ ولا شبه، وبحسب صفة المفعولية، ومن جهة التضاد والتوافق والتخالق، والكم والكيف والحركة، إلى باقي أقسام الأعراض، ومن جهة الافتقار والتركيب والتأليف، والإحساس والحواس، والتعقل والعقل والإرادة والمشيئة والتقدير والقدرة والقضاء والمقضي، والإمكان والكون والتكوين والمعلولية، والنمو والذبول والقوة والفعل، والبداية والنهاية الزمانية والدهرية والسرمدية، - مقاماتها وحدود كل واحد منها وأحكامه - والتناسب والانتساب، والضدية والندية، والمشاهدة والمشاكلة والمماثلة، والنسبة الزمانية وما فوقها، إلى غير ذلك من جهة نسب الممكن وجهاتها الملكية والملكوتية والجبروتية والأمرية[25] .

وهذا مثال ثالث على النقد والمقارنة عند الشيخ الأحسائي رحمه الله: يقول ملاّ صدرا في المشاعر: ”لم نأخذ بقول أهل الكلام ومجادلاتهم، ولا بتقليد العوام ولا بأبحاث الفلاسفة، ولا بتخيلات الصوفية“، ويرد الشيخ الأوحد الأحسائي ادّعاءه هذا فيقول: بلى، قد أخذتَ بأقوالهم.

ويقول صدرا: ”إنما نقول بنتائج التدبر في آيات الله“.

ويبين الشيخ أنه: " لم يسلك بذلك الطريق المأمور به، وإنما اختلفنا لاختلاف المرادات، فكل يريد منها معنى ما يعتقده، فإذا قال مثلاً: لاأعتقد كتخيلات الصوفية، فأقول: أيُّ شيءٍ تعتقده الصوفية بتخيلاتهم فهو يقول به. فإنهم يقولون: ليس للّه في الأشياء قبل إيجادها وجهين، إن شاء جعلها متحركة، وإن شاء جعلها ساكنة، وإنما له وجهٌ واحد، لأن مشيئته أحديّة التعلق، وهي نسبة تابعة للعلم، والعلم نسبة تابعة للمعلوم، والمعلوم أنت وأحوالك، وهو يقول بهذه كلها.

والصوفية يقولون: معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته، إلا أنه في ذاته بوجه أشرف، وهو يقول بذلك.

وهم يقولون: بسيطُ الحقيقة كلُّ الأشياء، وهو يقول بذلك.

وهم يقولون: مآل أهل النار إلى النعيم، فإنهم يتنعمون بالتعذيب، وهو يقول بذلك.

وهم يقولون بجواز التفكّه بالمُردان، في مقام النفس الملهمة، وهو يقول بذلك، كما في أشعاره.

وهم يقولون: إن فرعون مات مؤمناً طاهراً، لأنه بعد إيمانه لم يعمل ذنباً، والإسلام يجُبُّ ما قبله، وهو يقول بذلك، لأنه لما قال مميت الدين بن عربي ذلك في الفصوص، قال - أي صدرا : وهذا كلام يشم منه رائحة التحقيق.

وأمثال هذه من تخيلاتهم، فإنه قائل بكل ما قالوا، فأي شيء خالفهم فيه، حتى يُحمَل قوله: ولا من التخيلات الصوفية عليه؟ [26] .

وأما قوله: ”بل هي من نتائج التدبر...“، فهو من نتائج التدبر فيما قاله أهل التصوف والتفلسف، لا فيما قاله أهل العصمة ، لأنهم قالوا بدوام تألم أهل النار، وقال هو بانقطاعه، وقالوا : لو شاء اللّه لهدى الناس جميعاً، وقال بعدمه، وقالوا بحدوث المشيئة والإرادة، وليس للّه مشيئة قديمة ولا إرادة قديمة، والمشيئة والإرادة من صفات الأفعال، وقال خلاف ذلك كله[27] .

الفصل الثالث: ذم التعمق

كان لمدرسة الشيخ الأوحد موقف واضح مستمد من الشرع الحنيف، لأن ما يطرأ على أذهان البشر من تساؤلات واستفسارات، لا حدود له، وتلك ميزة ورحمة من الله، لكن في حدود ما يقدر عليه الانسان وما يحتمله، وقد بين الشرع الحنيف حدود ذلك ونهى عن التعمق في اكثر من تلك الحدود كما في قوله لا تسألوا عن اشياء ان تبدا لكم تسئكم» وكما في قوله قل الروح من امر ربي، إذا لا طريق للبشر يمكن ان يوصله لتلك المعرفة فكأنها بحث عن سراب، وتضييع للجهود، فنهى الشرع عن تقدير عظمة الله بعقولنا أو طلب معرفة ذات الله دون ما بينه القرآن الكريم والرسول الاكرم عليه الصلاة والسلام.

سئل عليُّ بنُ الحسين عن التوحيدِ فقال: إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّهُ يكون في آخر الزمان أَقوامٌ متعمِّقون، فأنزل الله تعالى: قل هو الله أحد، والآياتِ من سورةِ الحديدِ إلى قوله: وهو عليمٌ بذاتِ الصُّدورِ، فمن رامَ وراءَ ذلك فقد هلكَ [28] .

وقال رجل لأمير المؤمنينَ : هل تصفُ ربّنا نزدادُ له حبّاً وبه معرفةً؟ فغضبَ وخطبَ النّاسَ فقال فيما قال: «عليكَ يا عبدَ الله بما دلّك عليه القرآنُ من صِفَتِهِ وتقدّمكَ فيه الرّسولُ من معرفتهِ، فائتمَّ بهِ واستَضِئْ بنورِ هدايتهِ، فإنّما هي نعمةٌ وحكمةٌ أُوتيتَها، فخذ ما أُوتِيتَ وكن من الشّاكرينَ، وما كلّفكَ الشّيطانُ عِلْمَهُ ممّا ليس عليكَ في الكتابِ فَرْضُهُ، ولا في سُنَّةِالرّسولِ وأَئِمَّةِ الهدى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إلى الله، ولا تُقَدِّرْ عظمةَ الله على قَدْرِ عَقْلِكَ، فتكونَ من الهالكينَ، واعلمْ يا عَبْدَ الله أنّ الرّاسِخِينَ في العلمِ، هم الذين أغناهُمُ الله عنِ الِاقتحامِ على السُّدَدِ المضروبةِ دونَ الغيوب، إقراراً بجهلِ ما جهِلوا تفسيرَهُ من الغيبِ المحجوب فقالوا: آمنّا به كُلٌّ من عند ربّنا، وقد مدح الله اعترافهمْ بالعجزِ عن تناوُلِ ما لم يحيطوا به عِلْماً، وسمّى تركَهُمُ التّعمُّقَ فيما لم يكلِّفْهُمُ البحثَ عن كنههِ رُسوخاً» [29] .

الفصل الرابع: وضوح الرؤية

للشيخ رحمة الله رؤية واضحة فها هو يقول في كتابه شرح المشاعر[30] : أن الأحكام المنطقية وقواعدها إنما تصلح للعلوم الشرعية وما أشبهها، وأما العلوم الإلهية والأسرار الربوبية فلا يصلح علم المنطق كله أن تكون آلة لها، وبرهان كلامي إن كنت تعقل أن علم المنطق بنيت قواعده على مدارك العقول والأفهام، وهي قاصرة عن إدراك معرفة الملك العلام، وإنما يعرف بنحو ما وصف به نفسه لعباده، وما وصف به نفسه لعباده إلا على ألسنة أوليائه محمد وأهل بيته الطاهرين، ومحال وحيه من أنبيائه صلى الله على محمد وآله الطاهرين وعليهم أجمعين، ولله در القائل:

إذا شئت أن تختر لنفسك مذهبا - - - ينجيك يوم البعث من لهب النار

فدع عنك قول الشافعي ومالك - - - وحنبل والمروي عن كعب أحبار

ووَالِ أنَاسا نقلُهم وحديثُهم - - - روى جدُنا عن جبرائيل عن الباري.

قد امتازت كتاباته بالعمق والدقة المتناهية فهو لا يكتفي بالتناول القشري للمسائل العقائدية والفلسفية والكلامية والحديثية وإنما يغوص في بحرها ويستخرج المكنون من دررها، وهذا أمر ملاحظ على جميع كتاباته الحكمية وغيرها ولعل هذا المنحى عند الشيخ هو الذي جعل الإجابة على الكثير من المسائل التي ترد عليه كتباً بسبب البسط والسعة في العرض وإبراز المسألة بمختلف جوانبها العلمية، لذا عندما جاء إلى الشيخ حسين العصفور ورأى كتاباته قال فيه: ”هذا حري بأن يجيز لا أن يجاز“ لما وجد في أسلوب الشيخ الأحسائي من العمق العلمي بما لا يتسنى إلا للعلماء الكبار الذين بذلوا مهجهم في سبيل العلم وتعلمه، هذا كله ناتج عن وضوح الرؤية، كذلك كان له موقف صريح واضح من تقديم علوم اليونان والاغريق ورأي تأملات المتصوفه على مصادر الشريعة، وقد انعكس وضوح الرؤية لدية في دقته في اختيار المصطلح الشرعي في التسميات والتوصيف للأفكار والمبادئ.

الفصل الخامس: وضع الحلول، وإرجاع الاستنتاجات الفلسفية إلى نصابها

من مميزات مدرسة الشيخ الأوحد قدس سره ايجاد الحلول لكثير من المعضلات الفلسفية والمسائل العرفانية.

من التساؤلات المحورية التي أجاد وأحسن الشيخ الأوحد الإجابة عنها السؤال ألتالي ما هي العلاقة بين القديم والحادث؟ وبعبارة أبسط ما هي العلاقة بين الله والعالم؟، ونستطيع هنا أن نقارن بين مدرستين حاولت الإجابة على هذا التساؤل المهم.. فالمدرسة الاولى هي مدرسة الشيخ الأوحد التي جاءت بنظرية إبداع الوجود، للإجابة عن هذا التساؤل المحوري والأساسي في الفلسفة،

ولا يخفى أن هنالك إجاباتٍ لدى فلاسفة اليونان وغيرهم، لكنها لم ترقَ إلى المستوى المرجو، ولم تكن مقنعة بتاتاً، كما هو الحال لدى القائلين ب ”الفيض“ فمثلاً حينما نسأل: كيف وجِد العالم؟، وما هي علاقته بالله؟، تقول ”نظرية الفيض“: صدر العالم عن الله الواحد المختار.

وحينما نسأل: كيف كان ذاك الصدور؟، يكون الجواب: كصدور الماء من النبع، أو كما يفيض الشعاع من الشمس.

ونلاحظ هنا أنه لم تكن هناك عملية ”خلق“، بل هي أقرب ما تكون إلى تولُّد شيء من شيء، والمثال الذي ساقوه يؤكد ذلك، فالشعاع جزء متولّدٌ من الشمس، والماء جزء متولّدٌ من النبع، وهذا مرفوض تماماً وغير مقبول في وصف فعل الله تعالى، وترى ”نظرية الإبداع“ أن المخلوقات ليست جزءاً من الخالق، والعكس صحيح أيضاً، كما سيأتي لا حقاً.

وحينما نتساءل: متى تم هذا الصدور؟، تقول ”نظرية الفيض“: «أزلاً».

فنتساءل: ماذا يعني الصدور الأزلي؟، فتقول ”نظرية الفيض“: بمعنى أن العالم يعتبر قديماً بالزمان، لكنه حادث بالذات.

ونتساءل: إذاً ما الفرق بين المبدأ الأول الأزلي، وبين الصادر عنه، الذي قلتم أنه أزلي؟، فيكون الجواب: في دار التحقُّق قديمان أزليان، اللّه وما صدر عنه، والفارق الوحيد بينهما أن الله قديم بالذات، والعالم قديم بالله.

هكذا أرادت ”نظرية الفيض“، أن تحلَّ مشكلة المسافة الزمنية، بين وجود الخالق القديم والمخلوق الحادث، ونلاحظ أن ”نظرية الفيض“ قد ألغت بهذه الطريقة فكرة الحدوث الزماني.

والسبب الذي دعاها للقول بذلك، أنها ترى  فيما ترى  أن الله لا يتغير، وعلمه وفعله شيء واحد، وهذا يعني أن الله لم يكن  قط  ولا شيء معه، وهذا مرفوض عقلاً وشرعاً لدى القائلين بالإبداع، لأنهم يرون أن الخلق فعل الله، وليس من ذاته ولا ذاته. يرون أن الله كان ولا شيء معه، وبأن الموجودات خلقت عن الأول، إبداعا لا من شيء، بمشيئةٍ وإرادةٍ، وأن الوجود حادث، وان لاشيء من المُبدِع الخالق، في المُبدَع المخلوق والعكس صحيح، وأن المشيئة حادثة وأنها علة العلل لكل المخلوقات، وأن الماهيات مجعولة من الله وأنها في قبضته ومن إبداعه، وتذهب إلى أن المعرفة الحقيقية بالمبدأ الأول لا تكون إلا بتعريفه بنفسه، وتعتقد أن العقل جوهر نوراني دارك للمعاني المجردة والجزئية وأنه هبة إلهية. وأن الجنة والنار خُلقتا من جوهر بسيط بساطة نسبية لا حقيقية، وهذا ما أعطى الجنة والنار الخلود... [31] 

إذاً فالسؤال الأساسي الذي جاءت ”نظرية الإبداع“ للإجابة عنه، هو: ما العلاقة بين الله والعالم؟، أو بين القديم والحادث؟.

أما بقية التساؤلات الرديفة، التي أجابت عنها "نظرية الإبداع للشيخ الأوحد فهي:

أولاً: أ ذاتُ اللّهِ هي عِلّة العلل أم لا؟، وما الضير في صدور العالم عنه؟، إذ أنه العِلّة التامّة، والعِلّة التامّة لا يتأخر عنها فعلُها، ولذلك صدر عنه العالم أزلاً كما تقول ”نظرية الفيض“؟!!.

ثانياً: هل إرادة الله ومشيئته من صفات الذات؟، أم أنها حادثة ومخلوقة؟.

ثالثا: إن المبدأ الأول واحد بسيط، فكيف وجدت منه الكثرة؟.

رابعاً: إن الأول ليس بمادة، فكيف صدرت عنه المادة؟، أي: كيف خرج الجسم من لا جسم.

خامساً: هل الهيولى أزلية؟، وهل الحركة والزمان أزليان؟.

سادساً: ما المشكلة في استخدام الدليل الفلسفي، وقبول ما توصل إليه فلاسفة المسلمين وإن طابق أو شابه ما قال به فلاسفة اليونان؟ إذ أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.

سابعاً: ما هي حدود معرفة الله؟

ثامناً: إذا كان ما توصل إليه العقل الفلسفي والمنطقي عبر مئات السنين غير مقبول، فما هو المقبول كدليل على ما يجب أن تجيب عليه الفلسفة من تساؤلات؟.

تاسعاً: أليست الرياضات الروحية وسيلة للوصول إلى السعادة، وكاشفة عن الحقائق، ومهيّئة لقلب الإنسان لتلقي الأنوار الإلهية؟.

عاشراً: أليس العقل البشري نتاجاً ومحصلة للمعارف العلمية والفلسفية؟، وبالتالي ألا يجب التسليم لما توصل إليه العقل؟.

الحادي عشر: هل تؤدي القواعد والصيغ الفلسفية، إلى معرفة صحيحة بالتوحيد وغيره من أمور العقيدة؟.

ونلاحظ أن هذه التساؤلات، هي عينها التي حاولت النظريات الأخرى الإجابة عنها، لكن المعول هو على الإجابة الشافية المقنعة، التي جاءت بها نظرية الشيخ الأوحد في إبداع الوجود.

هذا، ورغم أن القائلين ب ”الإبداع“ أي الشيخ وتلامذته، لم يخلقوا فكراً وفلسفةً من العدم، لكنهم ولا ريب قد أبدعوا مبدأً جديداً، وأعلنوا ميلاد فكرٍ جديدٍ، أعاد الوعي إلى الذات الغائبة، وبذلك أرجعوا الأصول إلى الفروع، وأصلحوا العطب، وسدوا النواقص، وأتمّوا الحجج، وأعادوا الأمور في الفلسفة إلى نصابها.

[1]  ورقة قدمت في مؤتمر الشيخ الأوحد «في نسخته الثانية» دولة الكويت عام 1435 هـ - 2014 م
[2]  هو الشيخ محمد تقي: بن الشيخ «زين الدين» بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم بن داغر بن رمضان بن راشد بن دهيم بن شمروخ آل صقر المطيرفي الأحسائي: ولد في الأحساء في بلدة المطيرفي وإن لم نقف على تاريخ ولادته، ولكن المؤكد أنها كانت قبل عام 1193 هـ المصادف تاريخ ولادة أخيه الشيخ علي نقي، إذ عُلم أنه أكبر أولاد العلامة الأوحد، كما جاء في: أعلام مدرسة الشيخ الأوحد، في القرن الثالث عشر الهجري، تحقيق أحمد عبد الهادي المحمد صالح، ص 353، دار المحجة البيضاء، الطبعة الأولى، 2006، بيروت - لبنان، له مجموعة من المؤلفات منها: جواهر العقول في تقرير قواعد الأصول، رسالة الاجتهاد، رسالة شاه زادة، رسالة في الاجتهاد والأخبار، انظر: المصدر السابق ص 359.
[3]  - آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص 171، نقلا عن د. علي حسين محفوظ، سيرة الأحسائي ص20.
[4]  - آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص 132، عن كتاب الشيخ الأوحد: شرح الفوائد ص 192.
[5]  - آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص133، نقلاً عن أعلام هجر لهاشم محمد الشخص ص179.
[6]  - آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص 134نقلاً عن: فكر ومنهج، عبد الجليل الأمير ص 51.
[7]  - آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص134، نقلاً عن: فكر ومنهج، عبد الجليل الأمير ص 51.
[8]  محاضرات في أصول الفقه - تقرير بحث الخوئى للفياض ج 2 ص73.
[9]  التوحيد ج19ص148.
[10]  المبدأ والمعاد ص168، مفاتيح الغيب ص323 - 336.
[11]  أصول المعارف ص103.
[12]  الفتوحات المكية ج2 ص203 - 206.
[13]  هدي العقول ج3 ص47.
[14]  نهج البلاغة، الخطبة: 186.
[15]  نهج البلاغة، الخطبة: 185.
[16]  نهج البلاغة الخطبة: 186، بحارالأنوار ج4 ص254 ح8.
[17]  مفاتيح الغيب ص335 المفتاح الثامن.
[18]  الوافي المجلد 1 ص531.
[19]  مصباح الشريعة ص13، غوالي اللآلي ج4 ص102 ح149، الغرر والدرر ص588 الرقم301.
[20]  سورة الحديد الآية: 4.
[21]  مفاتيح الغيب ص275و292
[22]  أصول المعارف ص74.
[23]  أنظر إيقاظ النائمين ص13 - 14.
[24]  إقبال الاعمال ص662
[25]  هدي العقول ج3 ص 334.
[26]  شرح المشاعر ج1 ص25 - 53
[27]  شرح المشاعر ج1 ص54
[28]  الكليني، الكافي كتاب التوحيد باب النسبة، حديث رقم 3 ص 91 - المجلسي، بحار الأنوار ج3، باب 9، النهي عن التفكر في 263.
[29]  المجلسي، بحار الأنوار ج3، باب 9 النهي عن التفكر في ذات الله ص 257 - الطبرسي، المحقق النوري المتوفّى سنة 1320 هـ ، مستدرك ‏الوسائل ومستنبط المسائل ج22 باب 12عدم جواز الكلام في ذات الله حديث 14016، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط1، 1407 هـ ، مطبعة: سعيد - مشهد المقدسة، وقرص مدمج باسم مكتبة أهل البيت ص ‏247.
[30]  الشيخ احمد بن زين الدين، شرح المشاعر، ج1 ص416.
[31]  بوخمسين، سامي أحمد، نظرية إبداع الوجود عند الشيخ أحمد بن زين الدين، ط1، 1432 هـ 2011م، دار المحجة البيضاء، بيروت، ص100.