آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 8:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

المملكة.. وعصر التسويات الكبرى!

حسين العلق *

تمر المملكة هذه الأيام بمرحلة انتقالية مهمة مع رحيل الملك عبدالله وتدشين عهد جديد. وفي فترات الانتقال السياسي تتعزز عادة التطلعات نحو مستقبل أفضل وأكثر تقدما على مختلف المستويات، تطلعات تبني على ما سبق وتأخذ بالواقع السياسي والاجتماعي خطوات أخرى للأمام. وبما ان جردة التطلعات المؤجلة لشعبنا باتت طويلة وعصية على الإحصاء ضمن مقالة قصيرة كهذه، لذلك سأكتفي بإيراد محورين أساسيين، داخلي ودولي، ربما مثلا مفتاحا لما عداهما!

فعلى الصعيد الداخلي أجد بأن المملكة باتت في أمس الحاجة إلى «تطوير» عاجل للأنظمة. فلا يخفى ان النظام الأساسي للحكم الذي وضع مطلع تسعينات القرن الماضي، بات متقادما جدا بالقياس على دساتير بلدان العالم. وينسحب الأمر قطعا على نظام مجلس الشورى.، ونظام مجلس الوزراء اضافة إلى نظام المناطق. ولعل أهم العناوين العامة المطلوبة في هذا السياق تتمثل في فصل السلطات، وتعزيز المشاركة الشعبية وإعلاء دولة القانون، اضافة إلى وضع معالجة سريعة للانتقادات الدولية المتعلقة بأوضاع الأقليات الدينية والعمالة الأجنبية، والموقوفين، والنساء. بلدنا اليوم بحاجة ماسة إلى اصلاح انظمتها المتقادمة لتنتقل بموجبها من عهد التأسيس المشوب بالحذر المبالغ، إلى عصر الإندماج بقوة ضمن مفاهيم العصر الحديث.

أما على الصعيد الدولي، فهناك تطلع إلى دخول المملكة عصر التسويات الكبرى. فلقد جربنا طوال السنوات الأربع الماضية التعاطي كطرف في النزاعات القائمة، الأمر الذي استنفذ الكثير من الأموال والطاقات والجهود والدماء. وعليه يبرز التطلع نحو مقاربة أكثر واقعية تستهدف المساهمة في اخماد النزاعات الممتدة على خط بغداد دمشق بيروت وصولا إلى صنعاء والمنامة وطرابلس الغرب. وعلى نحو محدد أظن أنه آن الأوان للجلوس على طاولة التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في تلك الساحات لغرض ارساء معادلة جديدة تحفظ مصالح جميع الأطراف، على قاعدة الكل رابح «win win». لقد جربنا طويلا سياسة كسر العظم، فلم نصل إلى نتيجة تذكر، حتى أذا استيقظنا ذات صباح وقد سبَقَنا حلفائنا الكبار في ترتيب التفاهمات السرية مع الخصوم المشتركين فيما كنا غارقين في وحل النزاع.

في السياق نفسه، أجد في الحوار اللبناني بين تيار المستقبل وحزب الله، بادرة طيبة ينبغي البناء عليها. خصوصا إذا ما علمنا أن هذا الحوار في جوهره هو - على نحو ما - واجهة لحوار بين المملكة وإيران، من هنا من المفيد أن ينسحب الأمر ذاته على الوضع السوري والوضع اليمني والبحريني، فلا بديل عن الحوار بعد استنفاذ السبل الأخرى، والأهم حتى نتفادى المزيد من الخسائر، خصوصا لجهة تأجيج التوتر الطائفي بين شعوبنا، الأمر الذي ينذر بالمزيد من تفجير الأوضاع في أكثر من منطقة!

كما سبقت الإشارة، ان جردة التطلعات المؤجلة لشعبنا طويلة. إلا ان مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة كما يقال، وغاية ما نتطلع إليه في هذه المرحلة هو اتخاذ العهد الجديد خطوات تحديثية تأخذ بالبلاد إلى القرن الواحد والعشرين محليا، أما دوليا فلا مناص من اعادة توجيه البوصلة، نحو اخماد النزاعات الطائفية في المنطقة، والمساهمة في حقن الدماء، والدخول صراحة في عصر التسويات الكبرى التي سبقنا إليها حلفاؤنا الكبار.

كاتب سعودي