آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 1:35 م

عميد المتطفلين

ياسين آل خليل

هل تمتلك القدرة على أن تعطي الفرصة لأذنيك أن تؤدي عملها وتصغي لما يقوله الآخرون دون أن يتدخل لسانك..؟ هل تستطيع أن تحتفظ بمعلوماتك إلى أن يأتي دورك في الكلام، أو أنك ذلك الشخص الذي لا يلتزم بأتيكيت الحديث فيقطع الإشارات الحمر والصفر حتى يوصل فكرته وإن كان ذلك على حساب الطرف الآخر؟ هل يصل بك الحال أن تجيب على أسئلة الآخرين حتى وإن كانت غير موجهة لك؟ إذا كان كل ذلك يتطابق مع تصرفاتك، فلربما نلت «عمادة المتطفلين» دون أن تدري.

غريب أمر هذه الدنيا وأهلها. مدرسة هي، لا شك في ذلك؛ إلا أنه ليس كل من دخل دور العلم تعلم منها. لا أحد ينكر أن التعلم يحتاج إلى عوامل مشجعة حتى يتمكن المتلقي من تحقيق ما يصبو إليه. البعض قد لا يلامون لكونهم قد وقعوا ضحية لظروف صعبة لم تغير منهم الكثير إلى الأفضل، إلا أنه عندما تتوفر لك الظروف والبيئة على أن تطور من ذاتك فلا تفعل، فهذا ما يُشعل القلب حرقة ويتلف الأعصاب توتراً ويُخرس الألسن لعظم المصيبة وتعديها حدود المألوف والمقبول.

للأسف هذه العينة من الناس، والتي تتخذ من التطفل سبيلا يوصلهم إلى مآربهم، تتواجد في محيطنا الإجتماعي وتنشط وتتكاثر لتَوَفُر البيئة الحاضنة والمشجعة والغير رادعة والتي لا تكترث كثيراً لخطورة ظاهرة التطفل وما تخلفه من سلبيات وخيمة على الفرد والمجتمع في المنظور القريب والبعيد على السواء.

مهارة الحديث لم تكن في يوم من الأيام مكرمة إلاهية يهبها الخالق لأفراد دون غيرهم، لكننا يمكننا القول أن هناك بعض الأفراد الذين حباهم الخالق الشيئ الكثير من سحر الطبيعة الفطرية والتي لعبت دوراً كبيراً في مساعدتهم في الإنخراط بشكل صحيح في هذا المضمار واستخدام أدواته والفوز بنهائياته. هذا ببساطة لا يجعل الأرض مبسوطة بالورود في جميع الظروف والأحوال. فالناس معادن ولكل ثقله الذري وقيمته ومكانته حسب الزمان والمكان. هذا يدعونا جميعا على اختلاف قدراتنا لتوخي الحذر من السقوط في وحل التطفل والإنجراف في المحذور من النقد اللاذع نتيجة لغفلتنا وتعدينا على حدود الآخرين وتجرئنا على انتهاك خصوصياتهم بالقول والحديث الغير متكامل الشروط والمواصفات والمخالف للمعايير الإجتماعية الصحيحة.

من المفارقات، أن مفتاح فن الحوار لا يكمن في الكلام بقدر ماهو في الإصغاء، فعلينا كمتحدثين أن نبدع في فن الإستماع وأن لا نتحدث لمجرد الرغبة في الحديث. أما عندما نكتشف أننا بحديثنا ذلك لا نضيف للمستمع ما يمكن أن يحمل شيئاً ذو قيمة أدبية أو فكرية تذكر، فإن ذلك يدعونا أن نراقب أنفسنا أكثر. كما أن علينا توقي الحذر من الإنزلاق الى مستوى البغبغان، نكرر ما تسمعه أذاننا دون تحليل أو تحرير، لأن تصرفات من هذا القبيل ستجرنا دون شك إلى منزلقات تنتهي بنا إلى أن تكره ذلك اليوم الذي تعلمنا فيه النطق والكلام.

قبل الذهاب إلى أي تجمع أو حفل احرص على أن تكون على أهبة الإستعداد. فكر في الأفراد الذين ستلتقي بهم، ارسم صورة واقعية عنهم، عن مستوياتهم العلمية، ثقافتهم والأشياء التي يرغبون في الإستماع اليها والتحدث عنها. قم بشيئ من العصف الذهني لما يمكن أن يطرح من مواضيع، وما هي قدراتك في المشاركة. لا تجعل أفكارك ومرئياتك على طرف لسانك الذي بات يغرد كيفما يحلو له دون رقيب أو حسيب، وهذا مالا يتماشا وخطى العقل وأتيكيت الحديث وآدابه.

لا يمكنني أن أختم دون أن أنصح صاحبنا ”عميد المتطفلين“ بأن يتبع ولو بعضاً من ألف باء آداب الحديث، وأتمنى أن لا تكون نصيحتي هذه متأخرة وأن تصله قبل أن يفاجأه أحدهم ويحرجه إحراجاً شديداً كردة فعل لتجاوزاته الغير مدروسة والتي تجعله في موقع قد يتمنى فيه لو لم تلده أمه أو أن تبتلعه الأرض فيكون نسياً منسيا:

لا تقاطع محدثيك وهم في منتصف جُمٓلهم، أعطهم فرصة لإنهاء ما بدؤوه. لا أحد يقبل هذا التصرف منك ولو كنت أحب الناس إليه. أما إذا كنت ممن يروون قصص حياتهم لأول مقابلة يلتقون فيها بأحد ولو كان لا يجمعهم به علاقة سابقة، فهذا لا يعني أن تحفر عميقاً في حياة الآخرين الشخصية وكأنهم أعطوك حق النشر المطلق لمجمل حيثيات حياتهم ودون استثناء.

أما آخر خرق صارخ لآداب الحديث، هو استباق المتحدث في نقطة ما أو أن تأخذها من شفتيه لتكملها أنت بلغتك وأسلوبك الخاص. هذا التصرف الغير لائق إما يراد منه إفهام الآخرين بأن المتحدث غير قادر على إنهاء ما يجول بخاطره، أو أنك تريد أن تفهم الآخرين بأنك على قدر من المعرفة يفوق ما جمعه ذلك المتحدث. مفاهيمك تلك ليست بالضرورة مطابقة لما يختلج في عقول المستمعين والتي لا أعتقد أنها بأي حال بعيدة عن مفهومي الشخصي والذي يتلخص في أن هذا التصرف يحمل من الحماقة ما تعجز الألسن عن وصفه، وأنه خرق صارخ لأبسط مبادئ آداب الحديث المتعارف عليها.

أخي في الإنسانية تنازل عن شيئ من الأرض والأفق واعط الآخرين مساحة للتنفس والشعور بالإستقلالية وحرية التعبير التي كفلتها لهم سنن الأرض ودساتيرها. امنحهم الفرصة ليعبروا عما يجول في صدورهم ولا تعتقد ولو لحظة بأن من وصفوك «عميد العارفين» كانوا يعنون ما يقولون. أنت فقط تمنحهم فرصة أخرى لأن يلحقوا بك صفة «عميد المتطفلين» وإن كنت هذه المرة كارهاً لها.