آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

مساجدنا إلى أين؟!

أيمن القطري

كثيرا ما يحكي الإداريون عن «المهمّة» التي تتحرك في سبيلها ولأجلها مؤسساتهم وشركاتهم. «المهمّة» أو طريق العمل وغايته مصطلح إداري أساس لهيكلة مسير أي شركة أو منشأة. «جوجل» مثلا، هذه الشركة التي لا نكاد أن نتصفّح عالم الإنترنت دون المرور بها، مهمّتها هي: «تنظيم المعلومات حول العالم وتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها عالميا». أما شركة العصفور الأزرق «تويتر» فقد اختارت لها مهمّة «إعطاء الجميع المقدرة على صناعة الأفكار والمعلومات ومشاركتها في كل حين من دون عوائق». هذا هو ديدن الشركات الناجحة: مهمّة واضحة تحكي قوام المنشأة وسبيلها بكل وضوحٍ وإيجاز.

رغم هذا التأكيد الإداري على هذه الضرورة إلا أن واقعنا يشهد أفرادا، ومجموعات، ولجان، وفرق عمل، ومؤسسات، وشركات بلا مهمّة تحكيها، وبلا هيكلية لمسيرتها. بين قوسين هي تعمل «بالبركة»! وإنْ وُجد لها مهمّة، فإنّ ذلك لا يتجاوز أبدا رقعة الشكليات والحروف المصفوفة.

تُبذل الملايين من أجل مساجدنا. نختار لها أنيق الزخرفات، وناعم الكسوات، ونجلس طويلا للتفنن في ميلان محاريبها وانسياب قبابها! وبعد كلّ هذا البر والخير الجميل المشكور، نغفل عن أن نوليها مهام طموحة تشكّل مسيرتها الرسالية. معظم مساجدنا وللأسف بلا مهمّةٍ تميّزها سوى إمامة الصلاة وروتين البرامج والاحتفالات! يندر أن تجد مسجدا في مجتمعنا يميّزه حقلٌ معرفيٌ يسعى لتوطيده ونشره. نجد معظم الجهد ينصب في تعليم الفقه الأصغر من وضوءٍ وصلاة وصوم وزكاة. كل ذلك جميل بل ومطلوب! ولكن حينما تتخصص بعض المساجد لهكذا شأن ويتفرّغ غيرها لحقولٍ معرفية أخرى تتكامل حينها مساجدنا لتكون صروح عبادية وعلمية في الوقت ذاته. وما أجمل اجتماع هذين اللونين في مجتمعٍ ما.

ارحلوا معي قليلا لنتخيّل خمسة من المساجد بمهامٍ طموحةٍ تسعى نحو تحقيقها:

1 - الأول: يُضَمّن مهمّته الريادة في القرآن الكريم وعلومه من تفسير وقراءة وحفظ وأبحاث.

2 - والثاني: يُعنى بثقافة وفقه الحقوق وتخريج الحقوقيين من كتّاب ومفكّرين وغيرهم.

3 - والثالث: يكون دارا لتعليم الفقه وشؤونه ومستجداته.

4 - والرابع: مدرسة للسيرة والتأريخ الغربي والعربي.

5 - والخامس: مسجدا للطفل بكل ديكوراته وبرامجه.

كم من التنافس والتكامل حينها ستعيش مساجدنا؟ وكم من ألوان الوعي المعرفي ستنتشر في مجتمعنا؟ وكم من الألفة سننشر بذلك بين أبناء اليوم ودور العبادة التي وللأسف فقدت ثقة صغار زماننا بل وحتى شبابه؟! إن تخصيص مهمّة وغاية رسالية لكلّ مسجد من مساجدنا ضروري لتحقيق جوهرها، كي لا تضيع الجهود المشكورة في دوامة العشوائية أو التكرار والسطحية المذمومة! أظنُ بهكذا نرقى بمساجدنا نحو جميل المعاني، ونجعلها روافد للنهضة والعلم إلى جانب العبادة. نعم؛ فحينما تكون مساجدنا متعددة الأدوار، نستطيع حينها أن نخرّج جيلا متقدّم الفكر، حاملا لراية العبادة والمعرفة معاً.