آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:54 م

في السعودية الإرهاب يخسر الورقة الأخيرة

هالة القحطاني صحيفة الاقتصادية

تعد الفتن الطائفية الورقة الرابحة لإشعال المشاكل والحروب في الدول العربية، حيث لعبت دور البطولة في تمزيق لبنان وزرع البغضاء بين أطيافه، وانقسام العراق إلى مناطق متناحرة لا يتوقف فيها صوت طلقات النار، وصنعت من سورية مسرحا لمجازر أشبه بصبرا وشاتيلا تحمل البصمة نفسها، لتعيد إلى الأذهان أسوأ الانتهاكات التي عرفتها البشرية منذ عصر التتار والمغول. لن تجدي مجهودات المجتمع الدولي لإعادة السلام، طالما أبناء البلد الواحد يتقاتلون ويفتكون ببعضهم البعض، بينما يقبع العدو الصهيوني المحتل على حدودهم خلف أسواره يراقب بأريحية كيف تستعر النيران، وكلما أوشكت جذوتها أن تنطفئ يعمل على إشعالها من جديد، ليضمن لنفسه الأمان والحرية أثناء ممارساته اللاإنسانية في توسيع عملية الاستيطان.

استهداف دور العبادة، جريمة ليست جديدة ل ”داعش“، بل سيناريو شاهدناه من قبل في العراق منذ سنوات، عندما انطلت جرائم الفتن الطائفية على شعب العراق وحولتهم إلى أعداء يقتلون بعضهم بعضا بعد أن كانوا إخوة متعايشين في بلد واحد منذ عقود وهم يعبدون ربا واحدا.

إن أخذت ورقة الطائفية طريقها لخراب بعض الدول، هذا لا يعني أنها ستنجح مع السعوديين الذين لا يعرف قوتهم الداخلية إلا أنفسهم، تلك القوة المبنية على عقيدة صلبة وسمحة تعكس إيمانهم الحقيقي النابع من حب الخير وليس الشر أو القتل.

”داعش“ خسرت في السعودية حين لعبت بورقة الطائفية، وأكبر دليل على فشل التنظيم الذي تم تضييق الخناق عليه حين قامت الداخلية بتفكيك أول خلية والقبض على 62 متورطا في العام الماضي، وفي الشهر الماضي من هذا العام أيضا تم القبض على شبكة أخرى مكونة من 77 شخصا مرتبطا بالتنظيم من بينهم مجموعة ثبت تورطها في قتل رجال الأمن وتفجير قرية الدالوه، ولا أستبعد صحة تسريبات المستشار السابق في وكالة الأمن القومي وعميل جهاز المخابرات الأمريكية «إدوارد سنودن» الذي يقيم في روسيا كلاجئ سياسي، أن ”البغدادي“، عميل للموساد، وأن ”داعش“ صنيعة استخباراتية في عملية معروفة باسم ”عش الدبابير“ صنعتها ثلاث دول لتخدم أنظمة وحكومات لها أطماع في منطقة الشرق الأوسط وهدفها الأساسي إثارة الفوضى في المنطقة لضمان استمرارية حفظ أمن إسرائيل، وربما هذا يجيب عن تساؤلات عن المصدر الذي يمول أغنى تنظيم متطرف، شاهدهم العالم في الفضائيات يظهرون بملابس سينمائية، ويملكون أسلحة متقدمة تقنيا، ولديهم مخرجو ومحترفو صناعة أفلام، ناهيك عن أساطيل من المدرعات العسكرية التي يظهرون بها في أماكن في وضح النهار دون أن تلتقطها الشبكات التجسسية والاستخباراتية التي تمسح دول العالم! ليجذب كل ذلك صغارا كانوا مهووسين يوما بمعارك البلاي ستيشن وتمنوا أن يخوضوها في الواقع، ليجدوها مسهلة لهم في معارك حية بحجة نصرة الدين، فينظر الواحد منهم للمتطرفين على أنهم كائنات خارقة اختارها الرب لإعادة الخلافة كما حدث أثناء أزمة أفغانستان. العملية لا تعتمد على تجميع المتطرفين حول العالم في مكان واحد فقط، بل بتكوين دين جديد يشبه إلى حد كبير الدين الإسلامي، ولكنه ليس كذلك، وكاف لاستقطاب المختلين والطائشين المتعطشين للمغامرة، وإيهامهم بفكرة عودة الخلافة الإسلامية لكي يشوهوا بأنفسهم صورة الإسلام ويقتلوا بعضهم بعضا في همجية تترفع عنها الحيوانات، لأن متعة الصهاينة ليست في قتل أعدائهم، بل بجعلهم يقتلون أنفسهم بأيديهم، إلى أن تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى سلخانة. ولا أستبعد شخصيا أن يضم التنظيم مجرمين استهان البعض بجرائم وثقوها على اليوتيوب، مثل الذين أحرقوا الثعلب في قفص، والذين ضربوا مقدمة رأس حصان بهراوة وأخذوا يضحكون على آلامه، والذين ظلوا يصدمون كلبا بمقدمة السيارة حتى كسروا قوائمه مرارا وتكرارا. أليست تلك جرائم كشفت كيف توحش الإنسان؟!.

نتفق على أن هناك تدابير تأخرنا في اتخاذها لتطهير المجتمع، مثل تجريم العنصرية بأنواعها ”الطائفي والقبلي والمناطقي والرياضي“، وما زلنا ننتظر من وزارة الإعلام سحب تلك الأطنان من الكتب العنصرية المنتشرة في المكتبات وتحرض على القتل لاختلاف المذاهب وإدراجها ضمن القائمة السوداء، ومحاسبة الخطباء، والسادة والدعاة والمستشيخين من ”جميع المذاهب“ الذين ملأوا الفضاء بسواد قلوبهم من خلال نشر مقاطع مليئة بالكراهية تدعو للغثيان، واستبدال ذلك بنشر مزيد من المحبة والإخاء.

في هذا الزمن الصعب نحن في حاجة أكثر إلى أن نملأ رئتينا بكثير من الحب والاحترام. لم يفشل الإرهابيون كما فشلوا في المنطقة الشرقية، فكلما أشعلوا فتيلا تنفجر على أثره ينابيع من المودة والتلاحم والإصرار. على الرغم من غصة الحزن والفراق، تأتي مواكب العزاء، لتخرج أحسن ما فينا وتسرد ملاحم وطنية ذرفها أهالي الشهداء بإيمان وصمود، تسابق فيها الأنقياء والحكماء من جميع أطياف المجتمع، ليبنوا بإصرارهم حائطا منيعا ضد شق الصف، ملقنين الإرهابيين والمتربصين درسا في حسن ظن المرء بأخيه.

اللهم تقبل شهداءنا وشهداء المسلمين وأنزلهم منزلا مباركا مع الصالحين، وامسح برحمتك على قلوب أسرهم وأحبائهم. ”لن ننجر“ وراء الفتن، نميز عدونا الحقيقي حتى لو تخفى وراء مليون قناع، فرائحته النتنة كشفته وهو يتابع عزاءنا متحسرا كيف أحرق السعوديون ورقته الأخيرة وانتصروا لوحدة الوطن وأمنه.