آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 3:07 م

الانتماءُ حريةٌ وليس قيدًا!

هادي رسول *

سأرفض أن أكون يمينيًّا أو يساريّا، فاليمين ينقلب إلى يسار، واليسار يتحوّل إلى يمين حينما يسود أحدهما في مرحلة ما.

أحاول الذهاب إلى منطقةٍ ليست محايدة، ولكنها بكل تأكيد تحاول أن تكون موضوعية لا تخضع للاستقطابات الأيدلوجية والفكرية.

ر بما هي منطقة لن تلق قبولاً للتيارات المتضادة، ويسعدني أنها كذلك، لأنها ستساهم أكثر في حريتي الفكرية، والتصريح بها دون أن أخشى خسارة تيار أو أسعى لكسب تأييد تيار آخر.

إني سعيد بهذه الحرية التي أزعم أنها تتيح لي قراءة موضوعية في الأفكار خارج الانتماء الصغير بعيدًا عن تأثيرات الاصطفافات المتقابلة. التأثيرات التي تساهم أحيانًا في تشويش الحقيقة تحت إلحاح الرغبة للانتصار للأيدلوجيا على حساب الموضوعية.

في المقابل أنا لستُ محايدًا، فالحياد ضعف أحيانًا. لكني أحاول أن لا تسيطر عليَّ الأيدلوجيات في واقع متباين يرفض الوصايات المتباينة عليه.

ولأنه لابد أن يكون لي رأي، فإنّ الآراء لا تعرف الحياد، وإنما تنحاز نحو ما تؤمن به.

أنا متيقنٌ ومؤمنٌ أن الدين يهدف إلى صلاح الإنسان واستقامة الحياة، لكن سلوك بعض المتدينين يشوه ممارسته للفهم الديني حين يلوي عنق النصوص لصالح فكرته الأحادية، ويُجري اسقاطاته من الأدلة التي ينتقيها بعناية على جزء من الواقع متعمدًا التغافل عن أجزاء أخرى، فيُغلّب القراءة المجتزأة على القراءة الشمولية، ويقسر العقول البشرية على فهمه الوحيد للنص، ويلغي الفهم الآخر.

وأعتقد أن الحركات التنويرية «على اختلاف تسمياتها واتجاهاتها» كحركات فكرية خرجت لتصحيح وإضاءة الوعي الإنساني من ظلاميات الجهل والممارسات القاتمة، لكن الكثير من المنتمين إليها وقع في تطرّف مضاد، وأصبح يرفض أي فكرة منطلقها ديني، ويستخف بكل رأي ديني لا يتساوق مع أيدلوجيته ورؤيته الفكرية، فوقع هو أيضًا في وحول ظلامية بعدم قبول الآخر وقسر الممارسة الحياتية على فهمه الوحيد للحياة.

بئس المتدين الذي يؤمن بالتسامح الإسلامي ويستحضر أدلته النصية والعقلية للاستدلال على ثقافة التسامح والاختلاف، لكنه يسقط في أول اختلاف له مع متدين آخر، قبل سقوطه في اختلافه مع التيارات اللادينية الأخرى حسب تعبيره.

وبئس «المتنور» الذي يرفع شعار فولتير الذي يقول: ”قد أخالفك الرأي ولكن سأدفع حياتي ثمنًا لحقك في التعبير عن رأيك بحرية“، لكنه يتجاهله في سلوكه أثناء اختلافه مع نظيره الأيدلوجي، ويكون أول من يطلق رصاصات التسقيط للمختلف معه، ويقتل الحياة القائمة على التنوع والاختلاف.