آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

قراءة في ”أمَّهات المؤمنين.. رؤية شرعيَّة على ضوء مصادر الشِّيعة الإماميَّة“

محمد باقر النمر موقع بينات
  • المؤلّف: الشيخ حسين علي المصطفى، من فضلاء أهل العلم في مدينة القطيف السعوديّة، باحث ومحقّق ومحاضر، له مؤلَّفات في الفكر والثّقافة والدّين.
  • النّاشر: دار أطياف للنّشر والتّوزيع  السعوديّة، ومفهرس في مكتبة الملك فهد الوطنيّة، ومودع فيها برقم 2958/1435 هـ .
  • سنة النّشر: 2014م/ 1435 هـ .
  • يقع الكتاب في 90 صفحةً من الحجم الوسط، وقد اعتمد المؤلِّف على 62 مصدراً، أوَّلها القرآن الكريم.

أهميّة الكتاب

ينتصر الكتاب لفكرة الدِّفاع عن أمَّهات المؤمنين، وتحديداً السيِّدة عائشة «رض»، مقابل ما يتعرَّضن له من قذفٍ لا يليق بهنّ ولا بكرامة رسول الله ﷺ؛ وهذا الدّفاع والانحياز نابعان من قناعةٍ وعقيدةٍ يعتقدها المؤلّف وشريحة واسعة من أتباع مذهب أهل البيت، من علماء ومثقَّفين وعامّة في العالم الشّيعي أجمع.

وهذه الشّريحة، وهي في اتّساعٍ أفقيّ وعموديّ، تحتكم إلى العقل أوَّلاً، ومقتنعة بأهميّة الدّين لكلِّ بني البشر، وأنَّ الدِّين هو منهاجٌ لتهذيب السّلوك الإنسانيّ أكثر من كونه تعظيماً للطقوس.

هذه الشَّريحة خرجت من أسر الموروث الاجتماعيّ، وبعضٍ من الموروث الدّيني، ولا سيَّما ذلك الَّذي يكبِّل الإنسان، وحلَّقت في فضاءٍ رحبٍ يحترم الإنسان أوّلاً، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، وهي ترى أنَّ احترام الإنسان الآخر المخالف، هو سلوك دينيّ وإنسانيّ، وبالتّالي، هو عبادة يؤجر المرء عليها ويثاب.

إذاً، لم يكن المؤلّف في حاجة شخصيّة أو سياسيّة، ولا سيَّما إذا علمنا أنَّ للمجاهرة بهذه الأفكار الإصلاحيَّة ومثلها، ثمناً من ذا وذاك، أو من هذه الفئة وتلك، ممن يريدون فتنةً وهم يعلمون أو لا يعلمون.

وقد رأينا كيف أنَّ عالماً مرجعاً، كالسيِّد محمد حسين فضل الله، وهو رائد في مجال الإصلاح الفكريّ والسياسيّ في الأمَّة، لم يسلم، وكتبت فيه الكتب والمقالات والخطب والفتاوى أيضاً، لا لشيءٍ، إلا لأنّه قال بما يدين به أمام الله من حقائق وبحوث بحثها، وتوصَّل إلى نتائج لا يرتضيها أولئك المخالفون له، بل إنَّ هذا الدّفاع عن أمّهات المؤمنين، هو أصلٌ يعتقده كثيرون من علماء الإماميَّة المتقدّمين والمتأخّرين، وهذا ما أراد الكاتب أن يؤكِّده ويؤصّله بالدَّليل الشَّرعيّ.

ولا بدَّ من أن أشير إلى أنَّ مقابل هذا الرّأي، هناك قلّة يرون خلافه من علماء الإماميّة، تعرّض الشَّيخ المصطفى لبعضها باختصار شديد. وتقديري، لو ذكر المؤلِّف تلك الآراء المخالفة الّتي توجِّه النّقد وغير النقد إلى أمّهات المؤمنين، ثم فنَّدها، لكان أقوى في البحث والحجّة، لكنّ في ذلك ثمناً، فجمهور العامّة، وحتى بعض العلماء، لا يحتملون أن ينتقد تراثهم وأقوال أسلافهم، الّذي أصبح عند البعض وكأنّه كتاب منزل، وهذه من أمَّهات المشاكل الّتي يواجهها كلّ المصلحين والمجدّدين في كلّ المدارس وكلّ العصور، والله أعلم.

فالكتاب إذاً يحوي رؤيةً شرعيّةً أصليَّة في الموقف والمعاملة مع أمَّهات المؤمنين؛ زوجات الرسول محمّد ﷺ، في وقتٍ ترتفع أصوات البذاءة هنا وهناك، وتفتك وتنتهك حرمة رسول الله وحرمه. وأتى من يريد أن يصبَّ الزّيت على النار، ويؤجّج الخلاف المستعر بين السنّة والشّيعة، فكانت هذه المادّة من أكثرها وقعاً، وأشدّها تأثيراً في نفوس متلقّيها.

هذه المادَّة التأجيجيَّة أحرجت دعاة وحدة الصّفّ لهذه الأمَّة، والعقلاء منهم خاصَّة، فوجدوا أنفسهم في وضعٍ لا يحسَدون عليه أمام نظرائهم من السنَّة، الَّذين لم يقبلوا أيَّ اعتذارٍ من شدَّة الوقع، ولم يقبل بعضهم الإنصاف، وقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[الأنعام: 164]. وقد استنكر كثير من عقلاء أتباع مدرسة أهل البيت أصوات القذف تلك في المقدَّس، أعني زوجات الرّسول محمّد ﷺ.

وعن الكتاب، جاء في مقدّمة النّاشر: ”يسعدنا أن نقدّمه لأبناء الأمَّة، انتصاراً للوعي الأصيل، ومساهمةً في الدّفاع عن شرف الرّسالة ومقام النبوّة، وتنزيهاً لأمّهات المؤمنين، وتفويتاً للفرصة على الطّائفيّين المغرضين“.

النّهي عن البذاءة

يتحدَّث المؤلّف في مقدِّمته عن النَّهي عن الفحش، كخلقٍ دينيٍّ أمرنا بالالتزام به، وأن الإسلام يؤكِّد أهميّة تعويد اللّسان على قول الخير، والتأدّب في اللّفظ، وعدم الفظاظة، مستشهداً بقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[آل عمران: 159].

ويسهب المؤلِّف في عرض الآيات والرّوايات عن الأئمّة ، والَّتي تنهي عن البذاءة، موضحاً الآثار السَّلبيّة لفحش الكلام.

في نهاية المقدِّمة، يقدّم الشيخ المصطفى النّصح، قائلاً: "عندما تعيش في مجتمع، فإنّ عليك  في كلماتك كلّها  أن تدرس النتائج الإيجابيّة والسلبيّة، وعلينا أن نتحمَّل مسؤوليّة ما ننتمي إليه ومن ننتمي إليه، فلا نحرّك كلماتنا في هوى أنفسنا أو في انفعالاتنا أو في حماسنا، بل لا بدَّ من أن نحرّك الكلمات في تخطيط عقولنا، لأنَّ العقل هو الَّذي يحدِّد للكلمة المصلحة والمفسدة، والحقّ والباطل، والخير والشّرّ.

فالإنسان الّذي يعيش عصره وهو لا يفهمه، هو إنسان يعيش العمى العقليّ، والعمى الروحيّ، والعمى الحركيّ في حياته. ولعلَّ مشكلة الكثير من الَّذين يظهرون على القنوات الفضائيّة الدينيّة، وإن كنّا لا نتّهم نيّاتهم، أنهم يعيشون خارج عصرهم، ويقرأون الكتب الّتي ألّفت قبل قرون عديدة، ولكنّهم لا يدرسون الواقع الّذي يعيشه مجتمعهم الآن".

بعد تلك المقدّمة، يدخل المؤلّف في صلب الموضوع، فيقول: "للأسف، هناك كثير من الَّذين اعتادوا لعن مقدَّسات الآخرين وسبّها، وهذا أمر محرَّم ومرفوض، لأنّه يسيء إلى تماسك المجتمع الإسلاميّ، ويثير الفتنة بين المسلمين.

وربما يزيد البعض في توجيه اللّعن والإهانة إلى بعض الرموز الإسلاميّة الّتي أمرنا الله باحترامها، كزوجات النبيّ ﷺ، واللائي قال فيهنّ الله عزَّ وجلَّ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ[الأحزاب: 6]. وهذه الآية الكريمة تدلّ دلالة كبيرة ومهمّة وذات قيمة على المكانة الّتي أرادها الله لزوجات النّبيّ ﷺ في الأمّة الإسلاميّة، فجعلهنّ أمَّهات للمؤمنين، والمقصود بالمؤمنين عموم الذّكور والإناث، فهنّ أمّهات المؤمنين والمؤمنات".

مكانة أمَّهات المؤمنين

وبعد أن يوضح الكاتب المصطفى مكانة أمَّهات المؤمنين وكرامتهنّ، كما جاء في القرآن الكريم أوّلاً، يعرج على مصادر الإماميَّة، التاريخيَّة منها والحديثة، ويقول في ص 20: ”ومن هذا المنطلق، لا يجوز سبّ أمّهات المؤمنين، حتى لو أخطأن، رضي الله عنهنّ، بل نقول: لا بدَّ من إكرامهنّ إكراماً لرسول الله ﷺ، ولذا يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً[الأحزاب: 53]“.

ثم يبدأ بنقل آراء المعاصرين بشيءٍ من التَّفصيل، فيبدأ بالسيِّد محمد الشيرازي المتوفَّى في العام 1422 هـ ، وله في ذلك، على ما أظنّ، مغزى حميد، فينقل ما جاء في كتابه ”تقريب القرآن إلى الأذهان“، ج 4، ص 354، ما نصّه: ”﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أيّها المسلمون، ﴿أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ، أي: لا يحقّ لكم أذاه بمخالفة أوامره، أو قصد سوء بالنّسبة إلى نسائه بعد وفاته، وهذا توطئة وتمهيد لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ، أي: زوجات الرّسول ﷺ ﴿مِن بَعْدِهِ أي: بعد وفاته، ﴿أَبَداً إلى آخر العمر، فلسن كسائر النّساء، إذا انقضت العدّة جاز نكاحهنّ، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ، أي الإيذاء ونكاح الأزواج بعد وفاته، ﴿كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً[الأحزاب: 53] في الإثم والعصيان“.

يتبعه رأي السيّد محمد حسين فضل الله، المتوفَّى سنة 1431 هـ ، والّذي قال نصّاً: ”أنا شخصيّاً أحرّم سب أيِّ صحابي، لأنَّ الله سبحانه وتعالى تحدَّث عن الصّحابة بقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً، وإن كان لنا رأي في مسألة الإمامة والخلافة، أمّا في مسألة السبّ، فقد قلت إنَّ هذا يحرم على أيِّ مسلم، وأنا أسجِّل هذا في كلّ استفتاء يأتيني، بأنّه يحرم سبّ أيّ صحابيّ، بمن فيهم الخلفاء، وأنا أنقل كلمةً عن الإمام عليّ ، عندما كان في طريقه إلى صفّين، وسمع قوماً من أهل العراق يسبّون أهل الشّام، فقال لهم:“ إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنَّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحقَّ من جهله، ويرعوي عن الغيِّ والعدوان من لهج به"، وهذا النصّ موجود في نهج البلاغة.

وفي هذا المجال، «والكلام لا يزال للسيّد فضل الله»، أحبّ أن أتحدَّث عن أسلوب الإمام عليّ في تعامله مع الخلفاء، الَّذين يعتقد الشّيعة أنهم هم الّذين نازعوه حقّه، ففي كتابه لأهل مصر، قال: ”فما راعني إلا انثيال النّاس على أبي بكر يبايعونه، فأمسكت يدي، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد ﷺ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم، الّتي إنَّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أو كما يتقشَّع السَّحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنَّ الدّين وتنهنه“.

لذلك، نحن نتعاطى مع الخلفاء في مسألة الخلافة، كما تعاطى الإمام عليّ بن أبي طالب ، الّذي كان منفتحاً عليهم، وكان يعاونهم ويشير عليهم بكلّ ما فيه مصلحة لهم. وهناك حديث عن الإمام جعفر الصّادق ، يخاطب فيه بعض المسلمين من الشّيعة: ”ما أيسر ما رضي النّاس منكم، كفّوا ألسنتكم عنهم“. أمّا أمهات المؤمنين، فنحن نحرّم سبّهن، ونقول إنّه لا بدَّ من إكرامهنَّ إكراماً لرسول الله ﷺ، لذلك نحن نحرّم سبّ أمهات المؤمنين والإساءة إليهنّ، كما نحرّم سبّ الصحابة، وقد أصدرنا فتوى في ذلك انتشرت في العالم".

وهذا الرأي للعلامة الراحل السيّد محمد حسين فضل الله، منشور في صحيفة عكاظ السعوديّة، في عددها الصّادر بتاريخ 6/3/ 2008م.

ثمّ ينتقل المصطفى إلى رأي الشّيخ محمّد جواد مغنيّة، والمتوفَّى سنة 1400 هـ ، والشَّيخ المعاصر ناصر مكارم الشّيرازي، وغيرهما، ممن لهم آراء متوافقة مع ما ذهب الكاتب إليه.

الآراء في حرب الجمل

ينتقل الكاتب بعدها إلى فصل بعنوان ”حرب الجمل“، وما استبقها من حرب كلاميّة، ويبدأ بالقول: "إنَّ كلّ شخص  ما عدا المعصوم  معرَّض للخطأ والمناقشة، وإن كان المخطئ هو زوج النّبيّ ﷺ. ولكن ينبغي التنويه  هنا  أنّ إثبات الخطأ لبعض مواقف أزواج النبيّ شيء، والإهانة والإساءة والتعرّض لعرضهنّ شيء آخر، حيث لا ملازمة بينهما.

وأمّا فيما يتعلّق بخطأ أمّ المؤمنين السيّدة عائشة، بشأن خروجها لحرب الجمل، فقد ذكر الشيخ ناصر الدّين الألباني «ت 1420 هـ »، بعد أن ناقش حديث الحوأب: ”أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب“، وأنّ هذا الحديث صحيح الإسناد ولا إشكال في متنه. وقال: وجملة القول إنَّ الحديث صحيح الإسناد، ولا إشكال في متنه، خلافاً لظنِّ الأستاذ الأفغاني، فإنَّ غاية ما فيه، أنَّ عائشة «رض»، لما علمت بالحوأب، كان عليها أن ترجع، والحديث يدلّ على أنّها لم ترجع! وهذا مما لا يليق أن ينسب إلى أمّ المؤمنين عائشة. وجوابنا على ذلك، أنّه ليس كلّ ما يقع من الكمّل يكون لائقاً بهم، إذ لا عصمة إلا لله وحده، والسّنّي لا ينبغي له أن يغالي فيمن يحترمه، حتى يرفعه إلى مصاف الأئمَّة الشّيعة المعصومين! ولا شكّ في أنّ خروج أمّ المؤمنين كان خطأً من أصله، لذلك همّت بالرّجوع حين علمت بتحقّق نبوءة النبيّ عند الحوأب، ولكنَّ الزبير «رض» أقنعها بترك الرّجوع بقوله: ”عسى الله أن يصلح بك بين النّاس“، ولا نشكّ في أنّه مخطئ في ذلك أيضاً، والعقل يقطع بأنّه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المقاتلين اللّتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شكَّ في أنّ عائشة «رض» هي المخطئة لأسبابٍ كثيرة وأدلّة واضحة، ومنها ندمها على خروجها".

وبعد استعراض رأي الخوارج والمعتزلة والأشاعرة في حرب الجمل الّتي حصلت بين علي وعائشة، يقول المؤلّف: ”إنَّ أكرم القول في أمّ المؤمنين «رض» وأطيبه، ما قاله فيها الإمام عليّ ، حيث قال:“ فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على الله عزَّ وجلَّ فليفعل؛ فإن أطعتموني، فإنّي حاملكم، إن شاء الله، على سبيل الجنّة، وإن كان ذا مشقّةٍ شديدة، ومذاقة مريرة، وأمَّا فلانة، فأدركها رأي النّساء، وضغنٌ غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري، ما أتت إلى ما تفعل، ولها بعد حرمتها الأولى، والحساب على الله تعالى".

عفّة أمَّهات المؤمنين

”عفَّة أمَّهات المؤمنين وبراءتهنّ“، هو عنوان الفصل الثَّالث، ويستعرض الشيخ المصطفى فيه آراء علماء الإماميَّة السَّابقين واللاحقين، ويبدأ بالشَّريف المرتضى، فالشّيخ الطوسي، والشيخ المازندراني، والسيّد عبدالحسين شرف الدين، والشيخ محمد طه نجف، إلى أن يصل إلى الشيخ محمد جواد مغنيّة، والسيّد محمد حسين فضل الله، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والسيّد محمد حسين الطباطبائي، والسيّد أبو القاسم الخوئي، الّذي أشار في معجم ”رجال الحديث“، ج 9، ص 256، رقم 6252، ”أمل الآمل“، ج 2، ص 143، ”أعيان الشّيعة“، ج 7، ص 434، إلى وجود كتابٍ اسمه ”تنزيه عائشة“، لمؤلّفه الشيخ الواعظ نصير الدّين عبدالجليل ابن أبي الحسن بن أبي الفضل القزويني.

ونقل المؤلّف بأمانة رأياً واحداً مخالفاً للعلماء المذكورين، هو رأي عليّ بن إبراهيم القمّي، صاحب تفسير ”القمّي“، الّذي يقول: ”إنَّ عائشة خرجت إلى البصرة لقتال أمير المؤمنين في حرب الجمل، أغواها طلحة، وقال لها: لا يحلّ لك أن تخرجي من غير محرم، فزوَّجت نفسها منه“.

ولكنَّه سرعان ما يستدرك، فينقل المؤلّف ردّ الشّيخ المجلسي على القمّي، فقال الشيخ المجلسي «ت 1111 هـ »، تعليقاً على ما جاء في تفسير القمّي : ”فيه شناعة شديدة، وغرابة عجيبة نستبعد صدور مثله عن شيخنا عليّ بن إبراهيم، بل نظنّ قريباً أنَّه من زيادات غيره، لأنَّ التّفسير الموجود ليس بتمامه منه رحمه الله، بل فيه زيادات كثيرة من غيره، فعلى أيّ، هذه مقالة يخالفها المسلمون بأجمعهم من الخاصّة والعامّة، وكلّهم يقرّون بقداسة أذيال أزواج النبيّ ﷺ مما ذكر، نعم، بعضهم يعتقدون عصيان بعضهنّ لمخالفتها أمير المؤمنين عليّ “.

ثم يستشهد بكلام للسيِّد محمد حسين فضل الله في موضوع عفّة السيّدة عائشة.

وفي نهاية هذا الفصل، يقف الشّيخ المصطفى مع القادحين، ويذكّرهم بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[النور: 23].

ثم يقول: ”من أسوأ مظاهر بعض قنوات الفتن والسّبِّ واللّمز  التي تدَّعي أنها تدعو إلى الدّين  اللّمز الشَّديد، بل الصَّريح، على زوج الرّسول ﷺ، السيّدة عائشة «رض»، حتى ذهب جملة منهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه، واختراق المعاني المغايرة الّتي تنطق بلغة الأهواء، لا بالحقّ الّذي أورده الله في كتابه العزيز، حين ذكر سبحانه براءة السيّدة عائشة أمّ المؤمنين“.

ثم يسأل المؤلّف، وبحرقة، السؤال المرير حسب قوله: ”أنتم ترمون أمّ المؤمنين بهذا الإفك عن علمٍ أو بدون علم؟! إن كنتم ترمونها بلا علم، فأنتم من أصحاب الإفك، وتستحقّون ما سبق ذكره من الآيات، وإن زعمتم أنّكم قلتموه عن علم، فهل علم رسول الله ﷺ ما علمتم أم جهله؟! فإن قلتم: جهله، فكيف علمتم ما لم يعلم؟! وإن قلتم: علمه: قلنا لكم: كيف علمه ولم يباهلها ولم يطلّقها، بل احتفظ بها إلى آخر حياته؟!“.

ألا ترون أنَّ في هذا تهمة بأقبح صفات السّوء له ﷺ، وكيف رضي الله تعالى له أن يحتفظ بها مع ذلك؟! وإذاً، فلماذا قال الله تعالى في بيان أسباب البراءة: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ[النّور: 26].

فإن كان رسول الله ﷺ يعلم أنها غير بريئة، فلماذا يبقيها عنده إلى آخر حياته بعدما سمع هذه الآية، أم أنَّ هناك آيات تخالف هذه الآية أنزلها الله عليهم بعد رسول الله ﷺ خصَّكم بها دون العالمين؟! ".

روايات أهل البيت عن عائشة

الفصل الآخر، ما يرويه أهل البيت عن أمَّهات المؤمنين، وينقل ما ذكرته مصادر الإماميَّة من روايات مختلفة عن عائشة، لأئمَّة أهل البيت؛ الحسن، وعليّ بن الحسين، والباقر، والصّادق، والكاظم، والرّضا.

بعد ذلك، هناك صفحات عن علاقة أهل البيت بأمّهات المؤمنين، وتحديداً السيّدة عائشة، فيذكر أنّ الأئمّة، الكاظم والرّضا والهادي، لهم بنات باسم عائشة.

وفي مصر مقام كبير، فيه مرقد ينسب إلى عائشة بنت الإمام جعفر الصّادق ، وهي أخت إسحاق المؤتمن، ابن الإمام الصّادق ، وزوج السيّدة نفيسة، حفيدة الإمام الحسن بن عليّ .

وهناك صفحات أخرى عن حديث الرّسول ﷺ مع زوجاته، ثم فصل في فضائل الإمام عليّ ومكانته من الرّسول على لسان السيّدة عائشة، ونقل مديحها لعليّ وفاطمة والحسنين.

دلائل حرمة السبّ

خاتمة الكتاب بعنوان ”فقه السبّ واللّعن“، وقد أورد المؤلّف نصوصاً واستدلالات من القرآن في حرمة السبِّ بشكل عام، وذكّر بقول الله تعالى وهو يوجِّه الخطاب إلى المسلمين: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[الأنعام: 108]. وروايات أخرى عن أهل البيت في هذا المضمار.

وفي نهاية صفحات الكتاب، يقول المؤلّف الشيخ المصطفى: "ولكنّنا بحسب الواقع الموجود عندنا، سواء ما يحمله المسلمون السنّة ضدّ الشيعة، أو ما يحمله المسلمون الشّيعة ضدّ السنّة، نتحدّث دائماً عمّا يثيرهم ضدّنا، وهم يتحدّثون عمّا قد يثيرنا ضدّهم، وتكون المسألة عندئذٍ فعلاً وردّ فعل، وقد تصل المسألة إلى التّكفير والتّضليل، وتنتهي إلى القتال وإلى سفك الدّماء، وخصوصاً أنّنا نلاحظ هذه الظّروف الصّعبة الّتي تحيط بالمسلمين، حيث إنَّ الاستكبار العالميّ، يحاول أن يعقِّد العلاقات بين المسلمين، ويعمل على إيجاد فتنةٍ طائفيَّة هنا أو حربٍ طائفيّةٍ هناك.

ومن الأمور التي تمزّق الوحدة وتزرع البغضاء: المراء، والجدال، والخصومة، وسرعة اللّوم، وكثرة الانتقاد والمشاورة.

قال الشهيد الثاني «ت 965 ه»: المراء لغة الجدال، والمماراة المجادلة. والمراد به هنا المجادلة على أمر دنيويّ أو دينيّ، لمجرّد إثبات الغلبة أو الفضيلة، كما يتّفق الكثير من المتّسمين بالعلم، وهذا النّوع محرَّم في غير الاعتكاف، وقد ورد التّأكيد في تحريمه في النّصوص. وإدخاله في محرّمات الاعتكاف، إمّا بسبب عموم مفهومه، أو لزيادة تحريمه في هذه العبادة".