آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 1:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

«المؤامرة» وهمٌ أم حقيقة..؟

راج مصطلح «المؤامرة» في الأدبيات السياسية العربية بشكل واسع جدا، منذ احتلال فلسطين في عام 1948م، ثم توسّع استخدام هذا المصطلح الى الساحة الثقافية، وقد أدى حضوره في الساحة الثقافية الى نوع من الاختلاف حول انطباقه على الواقع الذي يجتاح عالمنا العربي - تحديداً - بين التصديق بوجود «مؤامرة» تستهدفنا كشعوب عربية وإسلامية، وبين تكذيب الأمر ونفيه تماماً..

هذا التفاوت والاختلاف بين الفريقين نتيجة لمنطلقات قراءة كل فريق للواقع المتخلف المحيط بنا، فالأسباب مبنية على تلك المبادئ والمنطلقات، تصديقاً أو تكذيباً، لوجود مؤامرة أم لا؟.

وتمهيداً، يبرز تساءل هام جداً في هذا السياق، ما هو مفهوم «المؤامرة»، تلك التي وقع حولها الاختلاف في ساحتنا الثقافية…؟

لقد أظهر التاريخ كثيراً من الأحداث الهامة والخطيرة ودونّها المؤرخون، ولكنهم لم يذكروا أسباب حدوثها، مع ما لها من نتائج مؤثرة في حياة الشعوب والأمم، وما لا شك فيه، أن بعضها مدبّرة، وبقصد، وبفعل فاعل، وبعضها مما تواطئ عليه في الخفاء أطراف عدة، رأوا أن مصلحتهم تقتضي إحداثه أو حدوثه، فقاموا بتهيئة الأمر له لوقوعه، وكثير منها بقي ولا يزال، ضمن الأسرار التي تشكل مواضيع للدراسات التاريخية أمام المختصين، ولا يخفى الآن وجود علوم تهتم بذلك….!

التحالفات السياسية والعسكرية والاستراتيجية، هي أظهر وأعلى درجات الانسجام المعلنة، والاتفاقيات الموقعة بين البلدان هي درجة أخرى، قد تكون اطاراً لتلك التحالفات، وقد تكون لمعاهدات أقل انسجاماً من ذلك، وأخفضها ما يعرف بالهدنة بين المتحاربين، وبين هذا وذاك، توافقات غير مكتوبة، وتنضوي تحت مفهوم «التواطؤ» …

المسلمون عموماً، والشعب الفلسطيني خصوصاً، «يجمعون» على أن انتهاكات حقوقهم، ومقدساتهم، الوطنية والاسلامية، وأنهم - كشعب - يتعرض إلى «ارهاب صهيوني» أكثر فظاعة، وأشد وطأة، من ممارسات أي نظام عربي، سارعت الادارة الأمريكية بتشكيل التحالفات العسكرية لإسقاطه…!

وهذا ما يؤكد الاستغلال القبيح، ويكشف الوجه المستور للمتاجرة بالديموقراطية وحقوق الانسان من الدول الغربية في عالمنا العربي، تحديداً، ويكشف السياسات الناعمة القذرة لتلك الحكومات المنافقة، وأن المؤامرة ليست مجرد «نظرية» ولا وَهماً، بل هي واقع مشهود، عاصرناه عبر عقود زمنية، تناقلت وسائل الاعلام احداثه وصوره المثيرة للاشمئزاز، لتلك السياسات الغربية بهذا التواطؤ القبيح لحماية النظام الصهيوني، كما يؤكدها أن يكون «بنيامين نتنياهو» هذا الارهابي الذي مارس الجرائم بحق الانسانية، من خارج الحكومة الصهيونية ومن داخلها، مدعوماً لوجستياً، من التحالفات التي تقودها أمريكا بذريعة مكافحة الارهاب تارة، وبذريعة الدفاع عن حقوق الانسان تارة أخرى…!

سيبقى تاريخ نشأة «الكيان الصهيوني» دليلاً وشاهداً حيّاً على أن «المؤامرة» التي يتعرض لها عالمُنا العربي والاسلامي، حقيقة مؤلمة، أقرّ بها الجميع أو أنكرها البعض، وسيبقى احتلال فلسطين، وصمةَ عارٍ في تاريخ «الشرعية الدولية» الراعية لهذه «المؤامرة» ومظلتِها الكبرى، التي تبرر للمهاجرين الصهاينة وهم «الغرباء» احتلالهم لفلسطين، بتجمعاتهم التي تقضم الأراضي قضماً، وتتغاضى عن ممارسة ما يحلو لهم من جرائم، بكل وحشية وجبروت، في ذات الوقت الذي تمارس فيه تلك «الشرعية الدولية» كل نفوذها بحرمان أهله «المهجّرين» من العودة الى وطنهم، الذين شرّدوا قسراً، بالمجازر والترهيب، ومن علائم تلكم «المؤامرة» تعطيل القرارات «الدولية» المتعلقة ب «حق العودة» كالقرار رقم «194» والقرار رقم «242» ولا مبالاة بتعطيلهما، بل وإلغائهما من الذاكرة..!

ولعل أكثر ما أثار دهشتي، ما قرأت مؤخراً لأحد الكتّاب، إذ حاول أن ينفي وجود «المؤامرة» استناداً إلى ما اهتمام الغرب بالعلوم الانسانية والاجتماعية والاقتصادية والتكنلوجية، واهتمام تلك البلدان بحقوق الانسان، وأنها مشغولة عن عالمنا العربي والاسلامي بذلك، وما الاعتقاد بوجود «المؤامرة» إلاّ وهمٌ في أذهان بعضنا…!

إن الحالة «المدنية» المتقدمة والمتطورة في بريطانيا «صانعة المؤامرة» والتقدم التكنلوجي والعسكري، في أمريكا «راعي المؤامرة» الذهبي وبقيّة الدول الغربية، وهم بعض رعاتها «الفضيّين» إن ما تعيشه تلك الدول كأركان «للشرعية الدولية» من تطور في أنظمتهم القانونية والمدنية، لا ينفي تواطؤهم واشتراكهم في «المؤامرة» ولا يناقض الحقيقة بوجودها، حتى لو ابتلعت «مزابل التاريخ» نماذج قذرة، من أمثال صدام حسين ومعمر القذافي، بمساعدة تلك الدول تحت عناوين تطبيق «حقوق الانسان» أو مكافحة الارهاب، فها هم رعاة المؤامرة، لا يرون في صهيونية «بنيامين نتنياهو» ارهابا، ولا يرون في نظامه الوحشي ولا بشاعته ووحشيته أي خطورة على «الانسانية» التي يزعمون حمايتها، ولو اضطروا لاستخدام قوتهم العسكرية، بإسقاط النظم المتمردة على ارادتهم وسياساتهم....!