آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 1:30 ص

التعليم وإنتاج القيم

ابراهيم الزاكي

لن يكون مجدياً معالجة حالات التطرف والتعصب والتكفير والعنف من خلال التعامل الأمني، والمواجهات الميدانية فقط، بإلقاء القبض على الجناة وقتل آخرين، أو بمحاصرة وضرب أوكار الإرهاب، وتفكيك البنية التنظيمية للجماعات المتطرفة، فمن دون معالجة الجذور الثقافية والفكرية المؤسسة لهذا التطرف، وتعرية البيئة المولدة والمنتجة لها، والمناخات التي تنمو وتنتعش فيها، ستستمر هذه الجماعات في إعادة انتاج نفسها.

إن قابلية التطرف والتعصب والعنف في أي مجتمع أمر لا يحدث هكذا دفعة واحدة، وإنما يحدث بالتدريج وعلى مدى فترة زمنية ممتدة، إلى أن تتقلقل في البنية الثقافية للمجتمع، فالتغيرات والتحولات في البنية الثقافية يصعب إدراكها بشكل ظاهري، فهي تختمر وتتفاعل في القاع من دون أن تُرى، حيث يعد التعليم أحد الروافد الأساسية المؤسسة لحالة التطرف، والمغذية له، ويساهم في تخريج أجيال مشوهة ثقافياً، إذا لم يُعمل على تأسيس بنية تعليمية منتجة للثقافة الإيجابية، وإلا فإن النتيجة ستكون خراباً ووبالاً، يصعب معها ضبط انتشار الشرور واحتوائها، حيث يكون الأوان قد فات.

انتشار وسيادة ثقافة التعصب والتطرف والكراهية والإقصاء والغاء الآخر واستئصاله، كما ثقافة الاعتدال والتعايش والتسامح والحوار والاعتراف بالآخر، لا تتأسس بشكل مفاجئ بين يوم وليلة، وإنما تنمو وتتبلور في إطار العملية التعليمية والتربوية ببطء وتدرج مع الزمن، وعلى مدى سنوات عديدة. فحين يتغلغل التثقيف السلبي في مناهج التربية والتعليم فإن النتيجة هي سيادة قيم التعصب والتطرف والإقصاء والاستئصال، أما إذا كان فضاء العملية التعليمية يسوده التثقيف الإيجابي، فإن الحصيلة هي سيادة قيم الاعتدال والتعايش والحوار والاعتراف بالآخر.

وعندما تتعزز الثقافة السلبية وتترسخ قاعدتها في بنية ومناهج العملية التعليمية والتربوية، فإن النفس البشرية تكون مهيأة لتقبل قيم وثقافة التطرف والتعصب والغلو والإقصاء، مما يؤدي إلى انفلات النزعات الشريرة في النفس، والتحول إلى إنتاج حالات العنف والممارسات الدموية. أما حين تنحسر مكونات ثقافة التطرف في فضاء العملية التعليمية والتربوية، وتزداد مساحة الثقافة الإيجابية، فإن النفس البشرية تكون مهيأة لكبح النزعات الشريرة فيها، وتتقبل ثقافة وقيم التسامح والوسطية والاعتدال والحوار والمحبة والسلام، والقبول بالأخر، والاعتراف به، والتعايش معه.

خلاصة القول إن أهمية العملية التعليمية وخطورتها على النشء والأجيال المتعاقبة تكمن في كونها تخاطب النفس البشرية، والفطرة الإنسانية السوية، والعقول الغضة الطرية، وتتعامل مع الذهن والوعي والمعرفة والفهم الإنساني. لذا من المهم إيلائها العناية الفائقة، وإعطائها ما تستحق من اهتمام، حتى يتم غرس القيم الإيجابية النقية الجميلة، والمبادئ الإنسانية القويمة في نفوس وعقول الناشئة، وكبح قابليتها للقيم السلبية، بالإضافة إلى ما يمكن للعملية التعليمية أن تؤديه في تقويم وإصلاح الانحرافات الفكرية والسلوكية التي تظهر بين حين وآخر، والعمل على معالجتها وإصلاحها قبل فوات الأوان.