آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 10:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

ويلٌ للمبررين للإرهاب

حسين العلق *

لا أظن بأن مسلما سويا يقبل بارتكاب الفظائع ضد الأبرياء من البشر إجمالا. فضلا عن ارتكاب مجازر وحشية بحق مسلمين مسالمين يقيمون صلاة الجمعة في بيت من بيوت الله، كما جرى ولايزال في مناطق عربية واسلامية مختلفة، لأن ذلك يخالف أبسط قواعد الدين الحنيف وأكثرها بدهية، فربنا سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق والآية هنا تشير إلى ”النفس“ بغض النظر عن الدين والعرق واللون. غير ان مجال التبرير، والعمى الإختياري، لدى الكثيرين يبدو لا حدود له، حتى لو أولغ القتلة كثيرا في قتل الانفس المعصومة من الأبرياء والمصلين وكبار السن والأطفال.

حقيقة الأمر، تكمن مشكلة التعاطف والتبرير لمرتكبي المذابح بحق الأبرياء في جهتين. الأولى تكمن في التصور القائم سلفا عن الضحايا، وما يختزن ذلك التصور من مبررات للقتل الوحشي في أبشع صوره، والثانية في مآلات هذا التعاطف الخطر وانعكاساته المحتملة على أمن الدولة والمجتمع.

ليس سرا ان التصورات الرائجة سلفا عن الضحايا في الحوادث الإرهابية، هي تصورات بالغة السوداوية. ملؤها التكفير والتخوين وقاموس طويل من الأوصاف البذيئة، التي طالما روجتها - بصورة مواربة أو مكشوفة - آلاف المنابر والكتب والمقالات والفضائيات والمناهج وحسابات التواصل الاجتماعي، فيما يمكن أن يمثل كل ذلك في مجموعه، حكما جاهزا بالإعدام على أفراد الفئة المستهدفة قاطبة، ولا فرق هنا بين مسلمين شيعة أو مسيحيين نصارى، اللهم مع وقف التنفيذ، إلى أن يأتي من ينفذ ذلك الحكم بأكثر صوره الدموية.

اذ ليس من المتصور في ذهن أي عاقل أن يجري على مدى أعوام طويلة تعبئة الشارع ”تكفيريا“ بصورة مكثفة ضد فئات بشرية من المواطنين أو غيرهم، وعلى نحو مقصود غالبا، وغير مباشر أحيانا، ثم نتوقع أن يرمي العوام هذه الفئات بالورود، وقديما قيل في الأمثال، من يزرع الريح يجني العاصفة!

أما عن مآلات التعاطف والتبرير الجاهل لمرتكبي المذابح بحق الأبرياء فيمكن أن أصفها بالقنبلة الموقوتة. وقد رأينا ذلك كثيرا عبر حسابات لأسماء دينية وأكاديمية معروفة في وسائل التواصل الاجتماعي. هنا تحديدا يقبع الخطر الكامن، الذي بدأنا نجني بعض حصاده المُر على أمن الدول والمجتمعات. وبصورة أكثر تفصيلا، يمكن القول أن الجمهور الخاضع للتعبئة ”التكفيرية“ المستمرة، من رموز دينية ذائعة الصيت، مهما بدا لوهلة انه جمهور منضبط في ردود أفعاله بحدود معينة، إلا ان المنطق والعقل والتجارب تقول غير ذلك.

في هذا السياق يجدر التطرق إلى ما تناوله جليل روشانديل أستاذ العلوم السياسية بجامعة إيست كارولاينا، وناثان لين الكاتب والمتخصص في دراسات الشرق الأوسط، في دراستهما الميدانية القيمة بعنوان ”عقلية الإرهابي“، وضمن تفسيرهام لطريق العنف رأى الكاتبان ان بداية الطريق إلى الإرهاب قد تعتمد على مجموعة من العوامل، أحدها هو ظهور ”العامل المحفز“، والسؤال هنا، كم يا ترى لدينا من العوامل المحفزة التي تدفع باتجاه الإرهاب؟!

هنا يبدو عنصر الخطر على الأمن الوطني والدولي مضاعفا. فهذه العناصر المبرِرِة للإرهاب سابقا والمتعاطفة معه لاحقا، والمنخرطة فيه تاليا، وجدت لها المبررات الجاهزة للقتل الوحشي بحق فئات كبيرة من الناس، مرة باعتبارهم مبتدعة ومشركين، وأخرى بوصفهم كفار مهدوري الدم. هؤلاء القتلة أنفسهم لن يعجزوا عن إيجاد المزيد من المبررات لممارسة المزيد من القتل بحق الفئات الأخرى من الشعب، تحت دعاوى من قبيل التمترس والرِّدة والخيانة والصحوات، كما فعلوها مرارا.

خلاصة القول، بتنا اليوم بإزاء فئة تكفيرية لم تعد تقيم وزنا لما قال الله وقال الرسول في حرمة الدماء المعصومة. بقدر ما تحركهم أقوال الشيخ فلان والعلامة بن فلان!. ان مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون لمعالجات جذرية، في مجال إقرار التنوع الاجتماعي القائم، واظهار الخطاب الديني المتعدد، والتناول الإعلامي المتوازن لأحداث المنطقة، على هذا النحو وحده نستطيع درء النار عن ثيابنا، اما الاستغراق في الجوقة التكفيرية والتبرير الأبله للفظائع، فدونه الهلاك المحتوم.

كاتب سعودي