آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 7:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

نظرية المؤامرة

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

لعل القارئ يصادف كثيراً من المقالات والكتابات التي تهزأ بالمؤامرة ومتبنيها، وتحديداً ما يتعلق بمؤامرات سياسية غربية ضد مجتمعاتنا العربية، تقوم بها المؤسسات الغربية السياسية أو الإعلامية، حيث يرى هؤلاء المنتقدون أن مروجي نظرية المؤامرة في تحليل الأحداث والظواهر من حولنا أصحاب خيالٍ واسع، يكتبون سيناريوهات متخيلة، يقدمون من خلالها تصورات وأحداثاً خفية ساهمت في صنع ما نراه، لا يستطيع تقديمها عتاة مخرجي أفلام الخيال العلمي، ويذهبون بعيداً في تصور تآمر تلك المؤسسات عليهم، بما يعني مبالغتهم في تقدير أهمية منطقتنا ومجتمعاتنا بالنسبة لتلك المؤسسات، التي لديها من القضايا والهموم ما يغنيها عن الاهتمام بنا وبحياكة المؤامرات ضدنا، إضافة إلى أن تبني نظرية المؤامرة يشير إلى هروبٍ من النقد الذاتي، وتحمل مسؤولية التقصير والفشل، ومحاولة رمي المسؤولية على الآخرين.

لا بد من التنويه بأن نظرية المؤامرة ليست اختراعاً عربياً، بل ربما نجد أكثر من يستخدمها في التحليل بعض الكتاب الغربيين. كذلك، من الصعب عدم نقد الهوس بالمؤامرات، والمبالغة في الحديث عنها، وتحميلها مسؤولية كل شاردة وواردة، والتصرف حيال الأزمات والمشاكل، وتجاه الآخر الغربي، بنوع من ”البارانويا“، وهو مرض نفسي يجعل صاحبه مرتاباً تجاه الآخرين، يفسر كل سلوكياتهم وحركاتهم بأنها ضده وتهدف لاضطهاده. كما أن بعض الطروحات التي تستخدم نظرية المؤامرة في تفسير ما يجري من فشل وإحباطات في مجتمعاتنا تحاول بالفعل نفي مسؤولياتنا عما يجري، وسماحنا للمؤامرات - إن وُجِدَت - بالنفاذ إلى مجتمعاتنا عبر ثغراتٍ وفجواتٍ عديدة، ما يعطل النقد الذاتي المطلوب لتصحيح المسار.

لكن هذا كله لا يعني سذاجة الاعتقاد بوجود مؤامرات، بل إن الطرح الذي ينفي المؤامرة تماماً يتصف بالسذاجة، ذلك أن المؤامرة في حقيقتها جزء من أساليب السعي لتحقيق الهيمنة السياسية والاقتصادية، والقوى الكبرى الغربية تسعى لتحقيق هذه الهيمنة، وفي منطقتنا بالذات لأهميتها الاستراتيجية، والقول إن القوى الغربية ليست متفرغة للتآمر على العرب وغيرهم، لأنها مشغولة بالبحوث العلمية واكتشاف الفضاء، يشير إلى هذه السذاجة، فهؤلاء لا ينقصهم فقط قراءة تاريخ الاستعمار، وكيف أفادت الحداثة الغربية من النهب الاستعماري للبلدان الأخرى، بل ينقصهم أيضاً التبصر في حقبة ما بعد الاستعمار التي استمرت فيها الهيمنة بأشكال مختلفة، منها شن الحروب، والاحتلال المباشر كما في العراق.

لم ينشغل الساسة الغربيون باقتحام الفضاء عن دعم إسرائيل، بوصفها قاعدة استعمارية غربية في قلب العالم العربي، ولم يتركوا بسبب انشغالهم التدخلات العسكرية والسياسية في منطقتنا، وهذه حقائق وليست جزءاً من خيالٍ مؤامراتي خصب.

الهوس بالمؤامرة مشكلة، وإثبات وجود مؤامرة من عدمه لا بد أن يستند إلى دلالات وقرائن، لا إلى كلامٍ مرسل وشعبوي، دون أن ينفي هذا وجود قوى تحيك المؤامرات، لأنها تهدف للهيمنة، وقد أثبتت وثائق تخص تاريخاً قريباً وبعيداً حجم استخدام كل الأساليب الخادعة لتحقيق الهيمنة واستمرارها.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“