آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 8:30 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«تعرف إيه عن المنطق»؟!

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن السعودية

لا أخفيكم بأني عندما أتابع المشهد الديموقراطي للانتخابات المصرية أتذكر موقف الفنان عادل إمام في مسرحية «شاهد ماشفش حاجة» وهو يسرد القصة الحزينة المُضحكة لفيلم «أنا يتيم» يقول: «كل ما يطلع الواد اليتيم ده وانا أعيط».. نعم إنها تجربة يتيمة أن يأتي رئيس مُنتخب إلى سدة الحكم بلا دستور وبلا برلمان وله كامل الصلاحيات المطلقة في التشريع «يعمل اللي هو عاوزه»، بل لا نبالغ في القول بأن هذا الأمر لا يتمتع به أي ديكتاتور في أعتى دول الديكتاتورية على وجه الأرض، هذا على حد تعبير السيد البرادعي، وهنا يذكرنا الإعلامي المصري إبراهيم عيسى بحكاية الحاكم المصري الفاطمي عندما قرر منع الملوخية، يبدو أن المصريين في ذلك الوقت «يضربوا ملوخية جامد أوي» فزادت كمية «التناحة» ولذلك جاء القرار صائبا بالمنع.

من الأهمية بمكان أن نقر بأن سقوط الأنظمة المستبدة لا يعني الوصول إلى الديموقراطية، فالكثير من دول العالم أطاحت بنظم ديكتاتورية ولكنها انهارت إما بسبب الحروب الأهلية أو أنها استبدلت بأنظمة أكثر تسلطا، فهناك العديد من الدول فشلت في الماضي في تحقيق الديموقراطية بعد الثورات المستمرة مثل أميركا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا، وعلى هذا فعملية التحول الديموقراطي في مصر بعد الثورة تواجه العديد من المشكلات، فالثورة والاحتجاجات التي بدأت في الشوارع، لم تصل إلى المؤسسات وبالأخص المؤسسات التشريعية «البرلمان» وهي أن ينتخب الناس مُمثلين ينوبون عنهم في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم اليومية بشكل مباشر، فتجربة أوكرانيا وجورجيا مثلاً على الرغم من نجاح ثوراتها إلا أنها لم تصل إلى المؤسسات التي تعكس مطالب واحتياجات المجتمع. ويُلاحظ من خلال الأجواء والنتائج التي عكستها مرحلة الانتخابات أن عملية التحول الديموقراطي في مصر تواجه مشكلتين: أولاً: قلة معرفة الناخبين ببرامج الأحزاب الأخرى وهذا يُعطي دلالة واضحة على ضعف الثقافة السياسية في ممارسات الشعب، فالقضية ليست صندوق انتخاب فقط ولكن هي في تدريب الناس على الحياة السياسية الحديثة وعلى قبول الآخر واحترامه تماما كما هو حال الديموقراطيات المستقرة من الهند إلى سويسرا، ومن السويد إلى كندا التي تبدأ من الفرد في الأسرة، ثم الحي، ثم القرية والمدينة.

ثانياً: جاء انتخاب القوى الإسلامية تحت خلفية ثقافية مفادها أن ثورات الربيع العربي أسقطت النظم السلطوية على أنها نُظم ليبرالية الأمر الذي جعلهم يبحثون عن الإسلاميين كبديل مناسب، مع أن الممارسة المصرية للديموقراطية كانت في أوجها التاريخي خلال العصر الليبرالي بين 1920 و1952، وكذلك لا بد ألا ننسى نجاح التجربة الليبرالية لحزب العدالة والتنمية التركي مع اختلاف التفاصيل إلا أن التجربة التركية استطاعت توظيف الدين بما يخدم مصلحة البلاد، رغم وجود التيارات الليبرالية والإسلامية، وكيف أنها استطاعت أن تصل إلى صياغة دستورية أعادت الثقة بين الجيش والسلطة السياسية، وكذلك فاعليتها في خلق نموذج اقتصادي وسياسي حقق نوعا من الانفتاح والتلاقي مع الشرق والغرب.

إن من الخطأ الحكم على تيار كامل بأنه على صواب أو على خطأ، الذي يعتبر أن الاسلاميين كلهم «كويسين» والليبراليين كلهم «وحشين» هو كلام لا يعدو كونه أكثر من ردة فعل لظرف معين لا أكثر، وهنا أتذكر الطالب في كوميديا المشاغبين عندما سألته معلمته: «تعرف إيه عن المنطق يا مرسي»؟ قال: «أعرف إنو كويس» وعندما سكتت المعلمة قال: «وحش» فردت عليه: «لا كويس ولا وحش».