آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 3:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

تهمة اسمها التغيير

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

تغيُّر المجتمعات كما تغيُّر الأفراد، مسألة واضحة لا لبس فيها، تحصل مع مرور الزمن وتراكم عوامل عديدة، وهو ما يجعل تاريخ المجتمعات والأفراد لا يسير على وتيرةٍ واحدة. قد تحصل تغييرات لا تُدرك إلا بعد فترة من الزمن؛ لأنها تمشي بشكل بطيء وتدريجي، وقد يحصل تغيير نوعي وضخم يصح القول إنه يفصل بين زمنين في حياة الفرد أو المجتمع.

في كل الأحوال، لا يمكن إنكار التغيير، على المستوى الفردي أو الجمعي، غير أن البعض يتعامل مع التغيير كإشكالية، فيحاول إيقاف أي تغيير، وتثبيت الحال كما هو، أو ينكر تغيُّره الشخصي، ويستنكر تغيُّر الآخرين، ويُعيِّرهم به، ويصبح من تغير متناقضاً مع حاله السابق، ما يجعله عرضة للهجوم والتشنيع، بينما لا يمكن لأحد أن يدَّعي أنه لم يتغير.

التغيير بذاته ليس مشكلة، كما أنه ليس قيمة إيجابية أو سلبية، فهو توصيف للانتقال من حالٍ إلى آخر، على صعيد الرؤية أو الأفكار أو الشعور أو الموقف من الأشياء حولنا، وتحديد إيجابيته من عدمها يختلف باختلاف منطلقات من يحكمون على هذا التغيير، لكن لا بد من الاعتراف بأن كل واحدٍ منا يتغير، وأن التغيير ليس سلبياً، ولا يشكل أزمة بذاته، طالما هو تبدلٌ لقناعات، ينتج عن إطلاع ومراجعة، وليس مجرد تقلب مزاجي، أو تغيُّرٍ في الخطاب للبحث عن مصلحة شخصية هنا أو هناك، فعندها نحن نتحدث عن مزاجية لا تؤخذ بجدية، أو نفعية لا أخلاق ولا مبادئ تحكمها.

يمكن القول إن قناعات شخصٍ ما كانت إيجابية، فيما قناعاته الحالية سلبية، وفقاً لمنظومتنا القيمية، لكن إدانة تغيُّره وعدم ثباته بذاتها لا تستقيم، إذ إننا جميعاً عرضة لتبديل القناعات، والحكم هو على ناتج التغيير لا التغيير بذاته. كذلك، فإن الشخص الذي يبدل قناعاته، لا بد أن يمتلك الشجاعة لإعلان التراجع، دون مكابرة أو عنجهية، خاصة عندما يكون التغيير حصيلة مراجعة جادة. بعض الأشخاص يتغيرون، ولا يودون الاعتراف بذلك، بل يصرون أن نسقهم كان واحداً طوال الوقت، وأن موقفهم استمر كما هو، لأنهم يتعاملون مع التغيير كتهمة، لا كطبيعة بشرية، ويرون الاعتراف به عيباً لا يجوز إهداؤه لخصومهم والمتربصين بهم، كما أن للاعتراف ثمن في بعض الأحيان، مثل الاعتذار عن موقفٍ سابق، أو سوء تقدير، لا يود كثير من الناس تحمل كلفته.

من الطبيعي أن يتناقض شخص مع تاريخه، إذ إنه يتغير، ومجادلته تكون بحسب موقفه الآني، وعلى أساس تناقض مواقفه الآنية بين ظاهرة وأخرى، وحدثٍ وآخر، أما التغيير فليس تهمة لننفيها.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“