آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 4:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

سوريا .. أزمة نظام أم أزمة بديل؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

بات جليا بأن المرتكزات الأساسية للنظام السوري، وفي جوانبها وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والأخلاقية، أخذة بالتداعي، على الرغم من كل الإجراءات القمعية والمجازر التي ارتكبتها قواته وشبيحته، والتي خلفت وفقا لمصادر حقوقية سورية ودولية مستقلة وآخرها تقرير هيومن رايتس ووتش، أكثر من 16 ألفا من القتلى بينهم أكثر من 11 ألف مدني، إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين، ومئات الآلاف من المهجرين في داخل وخارج سوريا.

الجدير بالذكر أنه قبيل اندلاع الانتفاضة السورية في 15 مارس 2011م، وعلى غرار العديد من الزعماء العرب المطاح بهم، استبعد بشار الأسد في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في 31 يناير 2011م تكرار سيناريو تونس ومصر، وبرر ذلك بقوله إن سوريا في وضع أفضل من مصر، لأنها لا تقيم علاقات مع إسرائيل.

كما استبعد الأسد تبني إصلاحات سريعة وجذرية، معللا ذلك بحاجة بلاده إلى «بناء المؤسسات» وتحسين التعليم قبل انفتاح النظام السياسي، وحذر من أن المطالب بالإصلاحات السياسية السريعة قد يكون لها ردة فعل سلبية «في حال لم تكن المجتمعات العربية جاهزة لها».

كما هو معروف بأن الرئيس بشار الأسد خلف والده حافظ الأسد إثر وفاته في عام 2000، بعد أن تجاوز العقبة الدستورية المتعلقة بعمر الرئيس «40 سنة» من خلال تعديل تلك المادة الدستورية بشكل سريع من قبل مجلس الشعب، وتم تخفيض السن إلى 38 سنة وهو ما يناسب عمر بشار الأسد.

استهل بشار الأسد حكمه بوعود إصلاحية كثيرة في ما سمي مجازا «ربيع سوريا»، وقد استبشر بها الشعب السوري ونخبه السياسية والثقافية، غير أنه تبين بعد فترة وجيزة بأن تلك الوعود الإصلاحية مجرد سراب، ولذر الرماد في العيون من أجل تثبيت وترسيخ سيطرته المطلقة وحكمه الفردي، بمعاونة بطانته الفاسدة التي تضم حفنة من المقربين والمنتفعين التي حولت سوريا وخيراتها بمثابة مزرعة لها من خلال أنشطتها وممارساتها المافيوية المسنودة بجهاز أمني/ مخابراتي قوي لا يرحم، وذلك على حساب مصالح الأغلبية الساحقة من الشعب، وخصوصا عبر ما سمي بالانفتاح الاقتصادي منذ أواسط العقد الماضي.

ووفقا للمعطيات الإحصائية فإن أكثر من 50 % من السكان دون خط الفقر، ونسبة العاطلين من العمل تصل إلى 30 %، لذا ليس غريبا أن تكون شرارة الانتفاضة في المناطق والمدن الأكثر تهميشا وفقرا، مثل درعا وحمص وأدلب وحماة.

اعتقد الأسد الابن بأن في مقدوره محاكاة أسلوب الأسد الأب، في إنهاء وقمع الاحتجاجات عن طريق القمع والعنف الأعمى كما حصل في السابق، متناسيا المثل القائل «بقاء الحال من المحال» وبأن اليوم غير البارحة، والأساليب التي نجحت في السابق، من مناورة وشعارات الصمود والتصدي ومواجهة إسرائيل وحماتها، للتغطية على الجرائم، ضمن ظروف وأوضاع داخلية وإقليمية ودولية والتي كانت مواتية في مرحلة الحرب الباردة لم تعد موجودة «بالرغم من الموقف الروسي والصيني والإيراني الداعم» بصورتها السابقة، كما أن ثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، تجعل من العسير إخفاء الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري أمام أنظار الرأي العام العالمي.

النظام السوري في أزمة جدية وهو أمر مؤكد، ومن تجليات أزمته المستفحلة هروبه الى الأمام، والحديث الممجوج عن خطوات الإصلاح بهدف كسب الوقت، والذي لم يعد يقنع حتى حلفاءه في الداخل والخارج، وقبل كل شيء توسيع وتعميم خياره القمعي والأمني كحل وحيد للخروج من أزمته، والذي يصل إلى مستوى جرائم الحرب ضد المدنيين العزل..

لدى التطرق إلى التعقيدات التي تمر بها الثورة السورية، يتعين ملاحظة وجود قاعدة شعبية مهمة لاتزال مؤيدة للنظام، أو مترددة في مواجهته، من منطلق مصالحها المباشرة، إلى جانب تأثير الممارسات القمعية والوحشية للأجهزة الأمنية والعسكرية والشبيحة، التي منعت مدنا مهمة من المشاركة بقوة في الحراك الثوري حتى الآن مثل دمشق وحلب، كما لا يمكن إغفال وجود تداخلات إقليمية «إيران» ودولية «روسيا والصين» لاتزال مؤيدة للنظام السوري، غير أن كل ذلك عرضة للتغيير والتبدل التي تمليها المصالح.

الأزمة المستفحلة تطال النظام في الصميم، وفي مفاصله الأساسية، وستطال شبكة علاقاته الإقليمية والدولية طال الوقت أم قصر، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أزمة البديل التي تعبر عنها المعارضة السورية المشتتة والمنقسمة على نفسها.. وللحديث صلة.