آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما أحوجنا إلى دراسة المنطق

حبيب محمود *

يُقتل اصطلاح «المنطق» لدى مثقفينا وكُتّابنا مراراً وتكراراً. وقدر هذا العلم لدينا هو أن يُعامل كما عامله أبطال مدرسة المشاغبين، تلك المسرحية التي تبعثر فيها تعريف المنطق في مشهد ما يزال طريّاً بضحكه وطرافته. المنطق هو المنطق، وهذا منطقيّ، وذاك غير منطقيّ، وليس منطقياً أن تؤول الأمور إلى هذا الاتجاه أو ذاك..! من المؤكد أن جميعنا يحتج بالمنطق، إلا أن سوادنا الغالب لا يعرف المنطق إلا كما عرفه يونس شلبي في تلك المسرحية المجنونة، أو عرفه سعيد صالح وأمّنت عليه سهير البابليّ وأغاظ «الفهم» عادل إمام. وأبسط دليل علميّ على حالة «التفهّي» في فهمنا للمنطق هو استخدام اصطلاح منطقيّ دقيق في لغتنا اليومية. هذا الاصطلاح هو كلمة «نقيض» واشتقاقاتها المثيرة للضحك في لغتنا.

من الناحية العلمية فإن «التناقض» باب واسع من أبواب علم المنطق. باب تستسهل عقولنا فتحه وإغلاقه على نحو انطباعي في كتاباتنا واحتجاجاتنا ونقاشاتنا. فنحن نستخدمه بمعانيَ فالتة، كالتضايف، والاختلاف، والتضادّ، والتقابل، وقائمة أخرى من القضايا المنطقية «المهروسة هرساً» في مفاهيمنا الأولية. فالمنطق لا يعتبر النهار نقيضاً لليل بل هو مقابلٌ له. وأمس ليس نقيض غد؛ بل هما متضايفان. والأسود ليس نقيضاً للأبيض، بل هو ضدّه. ورأي زيد اليوم المختلف عن رأيه أمس ليس تناقضاً، بل اختلافاً. صحيح أن جميع هذه الأمور لا تجتمع، لكنها ليست تناقضات بالضرورة. فأنت لا يمكن أن تكون متناقضاً حين تكون أباً لسين وابناً لصاد، لكنك بالضرورة لن تكون أباً وابناً لأحدهما في الوقت عينه. أنت وأبوك وابنك متضايفون لا متناقضون، وفي الوقت عينه لا تجتمعون جميعاً في صفة واحدة إلا بالتضايف. المغزى من هذا الشرح الذي ربما لا يُعجب بعض قارئي هذه السطور؛ هو الوقوف عند نقطة منهجية أساسية في فهمنا للمنطق كعلم مجرد له تطبيقاته الواسعة في الحياة. فالمنطق هو وسيلة علمية للتفكير السليم، تماماً كما يُعتبر النحو وسيلة علمية لاستخدام اللغة بشكل سليم. وبما أن اللغة والتفكير متلازمان؛ فإن علاقة أحدهما بالآخر تُبنى على منطق علمي سليم، بفهم قوانين كلّ منهما وبناء المقدمات بناءً سليماً يؤول إلى نتائج سليمة. بقي أن أشير إلى أن حظنا التعليمي من المنطق مُنحصر في جزء من تعليم الرياضيات الحديثة، فـ «المنطق الرياضي» هو الفرصة المتاحة لنا لتعلّم المنطق. إلا أن الرياضيات تبقى علماً مجرداً، وتطبيقاته محدودة في جوانب علمية.

ما أحوج حياتنا إلى المنطق، وما أحوج مؤسساتنا التعليمية إلى تدريب المنطق.