آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

التعليم الحواري

ابراهيم الزاكي

إن قارئ كتاب تعليم المقهورين، الذي تحدثنا عنه في المقالة السابقة، للمعلم البرازيلي باولو فرايري، يمكن له أن يصل إلى خلاصات رئيسية وأساسية متنوعة، ويستنتج منه أفكار ورؤى عديدة. إلا إنه يمكن القول أن المقصد البعيد والأساسي الذي ينطوي عليه مضمون الكتاب، ويهدف إلى كشفه ومعالجته، هو نقد الظواهر السلبية والمنحرفة في العلاقة بين بني البشر، من خلال الغوص بعيدا في عمق الظواهر الحياتية والإنسانية، بحثا وتدقيقا عن الجذور المؤسسة لهذا الانحراف المقيت، والقائم على علاقة الاضطهاد والقهر والاستلاب والاستعباد. والكتاب يدعو بناءً على هذه المكاشفة إلى تعزيز وتوثيق العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان في هذه الحياة، كما أنه يقدم أساليب وطرق عملية مؤدِّية إلى ذلك.

وإذا كانت المقاصد المستهدفة من أفكار الكتاب هي تحرير الإنسان من قيود التخلف، وتوجيه طاقاته نحو التغيير، فإن الكتاب يقدم أيضاً رؤية ثاقبة في أساليب وطرق التعليم المجدية، والتي من خلالها تتحرر العقول من القيود، وتنطلق متحررة متأملة ومتفكرة في النفس والكون والآفاق الواسعة من حولها، وذلك من خلال طرق وأساليب التعليم الحواري، الذي يولد في الإنسان القناعة بضرورة تحرير نفسه من رق الجهل والتبعية والاستعباد، ومن ثم الانطلاق إلى تغيير العالم الذي يعيش فيه.

إن روعة هذا الكتاب، كما يقول مقدم الكتاب يوسف نور عوض، تتجلى في نقده لمفهوم التعليم البنكي، وهو التعليم الذي نمارسه في مدارسنا وفي جامعاتنا، ولا نستهدف منه سوى السيطرة على عقول الطلاب، بجعلها بنوكا نخزن فيها ودائعنا المعرفية من أجل استلابهم، كما تتجلى روعة الكتاب أيضا في تحديده للوسائل التي يكرس بها القاهرون القهر، وهي الاستغلال والغزو الثقافي والاستلاب، كما تتجلى قيمة الكتاب كذلك في توضيحه للطريقة التي يتعلم بها المقهورون كيف يتجاوزون ظروف قهرهم.

إن تقرير التنمية العربية، كما تقول منى محمد الشدي، يشير إلى أن التربية العربية تخنق حرية الطالب والمعلم معا، فالتربية تعاني من أزمات على رأسها التسلطية، بينما التربية الحرة لا تتحقق إلا في ظل مجتمع متحرر من التسلط والعبودية للآخر أيا كان، سواء أبا أو معلما.. الخ، لأن التعليم الحر يظل نسقا من أنساق المجتمع، يؤثر فيه ويتأثر، ومن الصعوبة بمكان، مهما عملنا، أن نغير من واقع السلطوية في التعليم، إذا كان المجتمع خارج أسوار المدرسة يعزز هذه السلطوية ويغذيها.

وما يحدث لدينا هو أن المجتمع ينتج معلمين سلطويين، وهؤلاء ينتجون طلابا خانعين أو متسلطين، وهكذا تمضي الدائرة. وإذا كنا نتحدث عن العنف الجسدي، فحدث ولا حرج عن العنف النفسي، والذي يتغلغل في شتى الأنظمة الأسرية والتربوية في المجتمعات العربية. يقول باولو فرايري: «علينا أن نعرف أن أي وضع يستغل فيه إنسان إنساناً آخر، أو يعطل قدراته في تحقيق ذاته، هو ضرب من القهر العنيف، وإن غُلف في إطار من الكرم والحب الزائف، ذلك أن مثل هذا السلوك يحول دون ممارسة الكينونة الذاتية للإنسان». [1] 

عندما يكون التعليم البنكي أداة قهر تلقيني، من خلال تحول المعلم الى ملقِّن بالدرجة الأولى، والطالب الى مجرد متلقٍ، تماماً كعمليتي الإيداع والسحب في المعاملات المصرفية، فإن ذلك يعد وسيلة غير فعالة في عملية التعليم، لأنها تؤدي إلى إنتاج متعلمين خانعين، في حين يفترض أن يكون الفضاء التعليمي وسيلة من وسائل تحرر الإنسان من قهر التلقين والتسلط والتبعية والوصاية والاستعباد.

ينقل الباحث حامد عامر[2]  عن باولو فرايري قوله: أن ايديولوجية التسلط التي تميز ثقافتنا تخترق توجهات مختلف الطبقات الاجتماعية، في ممارسات الوزير، كما لدى مدير المدرسة، وأستاذ الجامعة، والضابط، وأمين الشرطة، وحارس العمارة. وفي تصويره لموقف المعلمين، الذين يتسمون بالتسلط، يراهم فرايري دائما هم الذين يبدؤون بالكلام، بينما يظل الطلاب باستمرار مستمعين مذعنين لخطابهم، وهم في هذه الحالة يتحدثون «الى»، و«عن»، و«حول» الطلاب، وليس «معهم»، واثقين من صحة ما يقولون من موقعهم العلوي إلى المستوى الأدنى. وحتى حين يتحدثون مع المتعلمين يشعرون كما لو أنهم يسدون لهم معروفا، مذكرين بقوة أصواتهم وسلطتهم.

ومن هنا تأتي أهمية فلسفة التعليم عند باولو فرايري، من خلال تحويل، أو نقل نمط التعليم من كونه ممارسة تلقينية بنكية ذات اتجاه واحد، إلى ممارسة حوارية ذات اتجاهين، حيث يشير إلى أهمية الحوار في التدريس، وبما يؤكد على أنه من واجب المعلم أن يتحدث «إلى» الطلاب، كما يتحدث «معهم»، ومن خلال ذلك يُعلم المتعلمين أن «يستمعوا» إليه، ومن ثم يمارس حياة تعليمية متسقة ومتوازنة بين الحديث إلى المتعلمين والتحدث معهم، يسألهم ويسألونه، حريصا على الاستماع لهم، ليس على سبيل التفضل والمن، ولكن على سبيل الواجب واحترام خبراتهم.

إن أهمية التعليم الحواري تتجلى من خلال عرض الرؤى والنظريات المختلفة أمام الطلاب، من أجل تكوين الوعي الناقد والمتبصر في عملية اكتساب المعرفة وتمثلها وتوظيفها وإنتاجها، فالمنهج الحواري في التعليم والتعلم يُعنى بأسلوب التفاعل بين المعلم والمتعلم، وبين المرسل والمتلقي، قدر عنايته بمادة التعليم ومضمونها، بل واعتباره جزءً من لحمة وسدادة النسيج المعرفية في نهاية المطاف.

لذلك فالسمة الجوهرية في التعليم الحواري تتمثل في تحول كل المشاركين في عملية التعليم إلى ممارسين لكل أدوار عملية التعلم والتعليم في ذات الوقت، أي أن يمارس المتعلم دور المعلّم ومنتج المعرفة في ذات الوقت، وأن يتحول المعلم إلى متعلم، حيث يتحول جميع أطراف العملية التعليمية وينخرطوا في علاقة تواصل تبادلية مفتوحة تكون نتيجتها إنتاج فرد ذو شخصية إيجابية فاعلة ومتفاعلة غير منعزلة قادرة على التواصل مع الآخرين والتفكير معهم واتخاذ القرار، شخصية تساهم في تشكيل الواقع مع الآخرين ومعتادة على المشاركة.

إن قيمة هذا التعليم الحواري لا يقتصر على الفترة الزمنية التي يقضيها المتعلم داخل أسوار المدرسة، بل أهميته تبرز عندما تنتقل مفاهيم وقيم وسلوك ومهارات وثقافة التعليم الحواري إلى الفضاء العام، وفي كل مجالات الحياة المختلفة، فإتباع المنهج الحواري من وسائط الحياة الديمقراطية المهمة، سواء بين المعلم والطالب، أو بين الأب وزوجته وأبنائه، أو بين صاحب العمل والعمال، أو بين تنوع المصالح والاهتمامات لدى شرائح المجتمع المختلفة، ففي المجتمع الديمقراطي من حق كل إنسان أن يكون له صوته المسموع.

 

[1]  - عن القهر والتسلط. منى محمد الشدي. جريدة الرياض. 29 يوليو 2011

[2]  - من مناهج التعليم الديمقراطي.. احياء فن المناظرة والحوار. حامد عامر. مجلة العربي الكويتية، عدد اغسطس 2006.