آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

الغزو الثقافي هو الأخطر

باقر علي الشماسي *

لو تمسَّكت الأمة بثقافتها الأصيلة وأخلاقياتها النبيلة والرشيدة العقلانية الرائدة، لما استطاع الأجانب ومستشرقيهم اختطاف هذه الثقافة التي عبرت وغرَّدَت في بعض القارات: غرَّدَت بأيقونة العلم والسلم والتعايش والتعاون بين الأمم والتلاقح الثقافي والمنافع المتبادلة، ومنها التجاري «تجارة اللؤلؤ.. وما إلى ذلك» وبعد نومة أهل الكهف وجدت أمتنا العربية نفسها وثقافتها بين فكي وأنياب ثقافة المستشرقين «المصدرة لأمتنا وهي ثقافة «الكاوبوي» ثقافة الغدر، وثقافة القوي يأكل الضعيف - وجلاد ومجلود». إن تلك الثقافة العربية الاخلاقية الأصيلة التي انفصلنا عنها بارادتنا المشوشة حيث دخلنا في أفخاخ مستشرقي الغرب، بعضها بعنوان الشراكة وبعضها بعنوان زرع الدمقرطة في أراضي ومدن أمتنا القاحلة والمتصحِّرة ديمقراطياً؟! وبعضها بعنوان تبادل الخبرات والصداقة والتعاون.. وإلخ، وفي هذه الأفخاخ والعناوين انفصلت ثقافة أمتنا الأصيلة عن ماضيها الحضاري الرائع وابتعدنا عن أخلاقيات وتعليمات سيد الأنبياء محمد ﷺ وقيمها المقدسة.

لقد انخدعت الأمة وتخادلت تحت تأثير هذه العناوين السرابية الزئبقية وعبثياتها بالعقول، فأين ذهبت جهود وابداعات وعلوم تلك الكوكبات العلمية والفكرية اصحاب القامات الشواهق المبدعة والمبلورة لتلك الكنوز من العلوم والفكر التنويري، وهم على سبيل المثال: ابن سينا والفارابي والرازي وصولاً إلى الدكتور طه حسين والدكتورة عائشة عبدالرحمن الملقبة ببنت الشاطئ، وعباس محمود العقاد ومحمود أمين العالم ونجيب محفوظ، ومن لبنان أمثال محمد جواد مغنية وحنا مينا والمفكر والناقد الكبير حسين مروة، وقبلهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن العراق محمد مهدي الجواهري شاعر العرب العملاق، ومعروف الرصافي والمفكر الكبير المعروف الدكتور علي الوردي وابن رشد،،، وغيرهم الكثير من النوابغ الذين أثْرَوا المكتبة العربية بأثمن وأجمل الجواهر من الأدبيات في ذلك العصر الذهبي، واليوم نتسائل أين ذهبت تلك الكنوز؟ هل دفنها مغول هذا العصر: جنكيز خان وسلالته المُسَمَوْن داعش وأخواتها؟ هذا العصر الذي صار «الإبن البار؟؟» يقتل أمه، والأخ يقتل أخيه، والأم تُرسِل أبناءها وفلذات كبدها إلى محرقة الموت؟! بأمر من جنكيز خان بالموصل المحتل. إن هذا العصر هو نسخة من العصر الجاهلي بامتياز وفي الشرق الأوسط خصوصاً، إلا أنها نسخة أكثر انحطاط أخلاقياً وأكثر درامية وأبشع وحشية وهمجية من نسختها الأصلية في العصر الجاهلي والمغولي، فهل سيعود ذلك العصر الذهبي؟ ّ! عصر التعايش والتصاهر والمحبة بين كل الأديان السماوية والأرضية والمذاهب بمختلف أطيافها ومللها؟ أم ولَّى دون رجعة؟؟!! أعتقد حسب تقديري البسيط بأن دوام الحال من المحال: هذا واحد. ثانياً: أين تلكم الطغاة من فرعون والحجاج الثقفي مروراً بالسلطان عبدالحميد «2» وحلف بغداد وصدام حسين وغيرهم كثر..

ونحن في هذه القراءة السريعة والمتواضعة ليس من أجل أن نبكي على اللبن المسكوب، وإنما من باب التذكير: قد تنفع الذكرى. وإنني أتصور أنَّ هذه الدنيا حُبلى بالإيجابيات وربما في المدى المتوسط وبعضها في المدى البعيد. أما «الميديا» الداعشية واخوتها فمصيرها الهزيمة وسيبدو وجهها القبيح للمغفَّلين والمستغفَلين قريباً، وإنَّ أوراق التوت التي يتأزَّرون بها مغول هذا العصر ستُمَزَّق وتنكشف عوراتهم للقاصي والداني.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف