آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 6:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

اشتراطات التغيير الاجتماعي

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

هناك جملة من العوامل والمحددات الداخلية والخارجية، الخاصة والعامة، التي تسم عملية الحراك أو التغيير الاجتماعي لمجتمع ما.

تتباين الافتراضات النظرية هنا حول مفهوم الحراك والتغيير الاجتماعي، نذكر من بينها فرضية التناقض والصراع، الناجمة عن تبدل الشروط المادية والاجتماعية للإنتاج، وفرضية التطور التقني والعلمي، وفرضية «تبدلات» أنظمة القيم مابين القديم والجديد، وكذلك فرضية الاستجابة لمقتضيات التطور أو التقدم أو التحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، كما يجري التمييز ما بين محركات التغيير كالصراع الاجتماعي، والنزاع بين المجموعات والأجيال والتناقض ما بين قوى الإنتاج الحديثة ووعيها المرافق من جهة، وبين العلاقات الاجتماعية والنماذج الثقافية التقليدية السائدة من جهة أخرى، كما لا نستطيع إغفال فرضية دور العامل الخارجي، والأمر ذاته ينطبق على أشكال التغيير «تطوري، خط مستقيم، حلزوني، دائري». غير أنه غالبا ما يكون التغيير الاجتماعي نتاج خليط من العوامل المحددة غير أن هناك على الدوام عامل أو عوامل حاسمة في صيرورة تلك العملية الاجتماعية / التاريخية المعقدة والمتناقضة بالضرورة.

بالنسبة لمجتمعنا يمكن القول بأن عاملين مهمين، ومتزامنين، كان لهما دور حاسم في عملية التشكل الاجتماعي «الحديث» في بلادنا.. وهما أولا: إقامة الدولة المركزية الموحدة التي تعتبر أول وحدة عربية ناجحة في العصر الحديث تجاوزت ترسخ حال التمزق والاحتراب والتخلف والركود بأبعاده «الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية» المختلفة، إلى جانب عمق الانقسامات «الجهوية والقبلية والطائفية والثقافية» المتأصلة على مدى قرون عديدة. وقاد عملية التوحيد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود حيث شملت الشطر الأكبر من الجزيرة العربية، وفي 23 سبتمبر 1932م تكلل في الإعلان عن قيام الكيان السياسي الجديد «المملكة العربية السعودية».. عملية التوحيد مثلت تاريخيا خطوة تقدمية إلى الأمام، لأنها ببساطة خلقت الظروف الموضوعية الملائمة لتشكل مجتمعا موحدا، في دولة لها حدودها المتعينة، وأجهزتها ومرافقها المركزية، مثل الحكومة، الجيش، العملة النقدية، والتزاماتها تجاه السكان مثل التعليم والصحة والتوطين «للبدو الرحل». غير أن المجتمع آنذاك في مستوى ودرجة تطوره، ولأسباب موضوعية، كان يفتقر إلى وجود مجتمع مدني.. العامل الثاني في عملية التشكل الاجتماعي «الحديث» في بلادنا: يتمثل في استكشاف البترول، ثم استخراجه لاحقا إثر منح حكومة المملكة «بعد عام على تأسيسها» في عام 1933م امتيازا للتنقيب عن البترول لشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا «سوكال آنذاك وشيفرون حاليا» والتي أصبحت ملكيتها سعودية بالكامل في عام 1980م. لقد أدى اكتشاف النفط في السعودية من قبل شركة النفط الأمريكية التي أصبح اسمها شركة الزيت العربية ــ الأمريكية أو اختصارا «أرامكو» إلى تخلخل العلاقات الاجتماعية التقليدية والراكدة على مدى عشرات القرون، ومن ثم بداية تشكل علاقات إنتاج حديثة، لكنها ظلت متعايشة مع العلاقات السائدة في مناطق شاسعة من مناطق البلاد.. وللحديث صلة.