آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 6:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

في ميدان القصـاص.. من يزوِّد؟!

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

الجريمة سلوك عدواني يوجد في كل المجتمعات الإنسانية مهما تفاوتت مستويات وعيها وقدراتها في تطوير سلوكياتها حضاريًا ومدنيًا، ومهما تباينت مستوياتها الاقتصادية أيضًا، وقد يعتقد البعض أن الطبقات العليا في المجتمع شبه خاليةٍ من الجريمة، فيما طبقة البروليتاريا غارقة فيها نظرًا لقلة الوعي في هذه الفئة المجتمعية، بالإضافة لأن الظروف الاقتصادية قد تدفعهم لارتكابها، والبعض يرى أن مثل هذه الطبقة غير حريصة على وضعها الاجتماعي لاحتفاظها بتصوّر ذاتي نمطي بأنها مهمّشة ومتدنّية المستوى فلا يهمها كثيرًا مصيرها ووجهة نظر المجتمع فيها، ولكن في الحقيقة ومن خلال المجريات على أرض الواقع فإن الجريمة لا تقتصر على أحد بعينه، فهي تنخر العمود الفقري المجتمعي من الأعلى الى الأسفل.

في شهر رمضان المبارك الماضي أصبحت مواقع التواصل الاجتماعية ميدانًا خصبًا للمناشدات الإنسانية لجمع التبرعات من أجل قضايا القصاص، وكانت هناك أكثر من ست قضايا تقريبًا وجدت لها نداءات من ذوي المحكوم عليهم لطلب المساهمة المالية عن طريق التبرع، وطبعًا بالعودة الى الديات سوف نجد أنفسنا أمام أرقام فلكية يطلبها أسر المجني عليهم، وكأن الأمر متاجرة بأرواح أبنائهم الذين قضوا، وأنا هنا أتساءل: كيف يستطيع شخص ما أن يطلب مبالغ مالية مقابل أرواح إنسانية حتى لو من قبيل التشفّي في القاتل وإطفاء الغيظ، وعلى سبيل المثال وصل المبلغ المطلوب في إحدى تلك القضايا الى 30 مليون ريال، ومن يزوّد!

وبالطبع سوف نجد بعد مدة مَن يطلب 45 مليونًا من أسرة أخرى مقابل دم ابنها، ربما من باب «ابن افلان لمّا انقتل دفع لأسرته مبلغ من المال وصل الى هذا الرقم، وابني المقتول ليس أقل غلاة منه لدينا» للأسف هذا لسان حال البعض.. فمجتمعنا أصبح يجاري في كل شيء، ومنذ مدة كنت اتحدث مع أحدهم حول هذه القضايا وأقول إن الشرع يرى أن من عفا وأصلح فأجره على الله، ولكن باعتقادي أن فتح الباب للاستثمار في مثل هذه القضايا ضار جدًا، فالقصاص هو مبدأ المعاقبة بالمثل، وهو مبدأ عادل، فإما التنازل لوجه الله أو إقامة الحد الشرعي، والإسلام حدّد الدية بما يعادل قيمة 100 من الإبل، ولم يترك الخوض فيها عملية عبثية للمزايدات كما هو حاصل الآن، ولو عُدنا الى الجريمة من الأساس لوجدنا في الحقيقة أن القاتل والمقتول يتساويان في الجرم منذ البداية، فأغلب قضايا القتل التي تمت في المجتمع السعودي لا توجد فيها نية مبيّتة للقتل وإنما تتم أثناء مشاجرات تتطور الى الجرم، بمعنى أن المقتول ربما يكون القاتل، وأنا لا أؤيد التنازل الدائم في مثل هذه القضايا ولكن أرجو من أولياء الدم النظر بإنسانية أكثر للقاتل ووضع أبنائهم «رحمهم الله» مكانهم والقياس على وضعهم ووضع ذوي القتيل ومن ثمّ الحكم وتحكيم الضمائر، فالقصاص حياة والعفو قوة ورحمة، وينبغي شكر الله على أن ابنهم ليس القاتل، وأستشهد بما قاله مستشرق بريطاني من أنه لم يفهم أن في القصاص حياة إلا بعد أن نظر في واقع جريمة القتل في بلدهم، ووجد أن قتل قاتل عشر ضحايا كان سيوفر حياة لتسع منهم، ولذلك أرى أن على أجهزة الدولة المعنية التدخّل لوضع حدٍّ لمهزلة الثروات الطائلة التي تدفع نظير الأرواح، فالوضع مزرٍ جدًا والاستثمارات في هذا الميدان باتت مخجلة ولا تليق بمجتمعنا.