آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

المختطف «2 - 2»

محمد العلي * صحيفة اليوم

الثقافة السائدة هي «ثقافة البعد الواحد» فهي ثقافة عمودية، أي أنها قادمة من الماضي بكل ما فيه من تناقضات ومنابع اسطورية.. الامر الذي يعززه «غياب الوعي التاريخي». إن غياب الوعي التاريخي معناه انعدام رؤية الاسباب والمسببات.. انه إهدار السببية وهنا تكون جميع المتناقضات متساوية في الصحة والخطأ اذ لا مرجعية مصرفية لذلك.

الربيع العربي فجرته رؤى ومفاهيم لم تنغرس في النفوس لتصبح قوة مادية.. المنغرس في النفوس هو المضاد لها لهذا كان اختطاف هذا الربيع من ايدي باقة من الشباب سهلا جدا.. فحتى الوهم يصبح قوة مادية اذا انغرس في النفوس.

في العصر الذي يسميه المفكر محمد عابد الجابري «عصر المقابسات» خرجت بعض التيارات عن الثقافة السائدة في وقتها.. ولكن رسوخ الثقافة الزائفة كان سدا منيعا في طريق تدفق تلك التيارات وصار مصيرها الجفاف.

في عصرنا وهو كما أعتقد شديد الشبه بعصر المقابسات ندور في نفس الحلقة المفرغة.. بل ان عصرنا اكثر شراسة وجهلا من عصر المقابسات في القرن الثالث والرابع الهجريين.

في القرن الثالث كان ابن الراوندي يصول ويجول شاهرا إلحادة وفي الرابع كان المعري يصدر رسالة الغفران وشعره النقدي، وكان ابوحيان التوحيدي في اوج نشاطه.. ولم نسمع ان احدا من الفقهاء او غيرهم تعرض لواحد من هؤلاء الثلاثة بسوء حتى بالكلام في حين انهم - كما يقال - زنادقة الاسلام.

وما دمنا نتكلم حول مفهوم «الاغتراب» زاعمين ان العرب كلهم الآن واقعون تحت مظلة هذا الاغتراب عن العصر أي عن التاريخ فقد كان ابوحيان محل تساؤل بعض كتابنا المعاصرين: هل هو «وجودي» يعاني ما يعانيه الوجوديون من الاغتراب؟ وقد اجاب عن السؤال بيقين شمس بأنه أحد الوجوديين في التاريخ.

وهذا رأي عاطفي يخرج به من يقرأ ما قاله ابوحيان في «الغربة» بعاطفة ملتهبة يزيدها اشتعالا قول أبي حيان:

«.. الغريب من هو في غربته غريب».

كاتب وأديب