آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 10:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الفساد والنزاهة.. و«فوات الفوت»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

لست أول من يقترح تعديل اسم هيئة مكافحة الفساد إلى هيئة حماية النزاهة، فالنزاهة أولى بأن تصان. بل يمكن الجزم أن حماية النزاهة تستتبع مكافحة الفساد أما العكس فليس صحيحا دائماً، بمعنى أن الاسم الحالي «علاجي» تنفيري يجلب الشبهة في حين أن حماية النزاهة تشمل العلاج لكنها ترتكز إلى الجانب «الوقائي»؛ إذ ليس القصد ترك الأشخاص ليصبحوا فاسدين حتى تمسك بهم الهيئة بعد «فوات الفوت»، بل الحفاظ على الاشخاص ليبقوا نزيهين ويتجنبوا الفساد وشبهاته.

وعليه، فجعل رؤية ومهمة الهيئة ترتكزان إلى «حماية النزاهة» سيعني بالضرورة ملء فراغ قائم حالياً وهو أن جملة من قواعد النزاهة لا تطبق في القطاعين الحكومي والخاص. وكما سبق أن بينت في هذا الحيز قبل نحو أربعة أشهر من أهمية الزام المؤسسات الخاصة والحكومية جعل من مسوغات التوظيف والمباشرة تعهد الموظف بعدم مخالفة نصوص «لائحة سلوك»، وهي مجموعة من القواعد الأساسية على الموظف الالتزام بها حتى لا يدخل في شبهة تجاوز الخط الفاصل بين النزاهة والفساد.

واليوم، من المناسب بيان أن «لائحة السلوك» لن تكون كافية لحماية النزاهة، فهي - أي لائحة السلوك - موجهة للفرد، فماذا عن المؤسسة أو الوزارة التي يعمل فيها أو يتعامل معها الفرد؟ في كثير من الأحيان تزدهر عمليات الفساد المالي والاداري نتيجة لملاءمة المناخ ومواتاة البيئة المحيطة. وهكذا، فهناك ما يبرر أن تضع هيئة مكافحة الفساد لائحة استرشادية لحماية النزاهة، وأن تحث الجهات الحكومية والمؤسسات الرئيسة في القطاع الخاص على اتباعها، وفي مرحلة لاحقة قد تطلب الهيئة من تلك المؤسسات بيان مدى التزامها ببنود اللائحة بنداً بنداً وتبرير أسباب عدم الالتزام الكامل. وفي هذا السياق، لابد من الاشارة إلى التجربة الرائدة لهيئة السوق المالية حينما أطلقت قبل سنوات لائحة استرشادية للحوكمة في الشركات المساهمة، ورغم أن اللائحة استرشادية غير أن الشركات كانت مطالبة بوضع بيان في تقريرها السنوي يفند أسباب عدم التزامها ببنود اللائحة بالكامل، وأخذت الهيئة تفرض غرامات على الشركات التي لا تلتزم ببيان ذلك. وعليه، فإن نشر ثقافة النزاهة لا يقتصر على النشرات التثقيفية والمواد الاعلامية بل لابد من ان تصطنع الهيئة لنفسها «أنياباً» تمكنها من إقامة الحجة وقائياً عبر وضع لوائح نافية للجهالة على مستوى الفرد «لائحة السلوك» وعلى مستوى المؤسسة «لائحة حماية النزاهة» على حدٍ سواء، وعند تعميم العمل بهما بصرامة سنحمي النزاهة وسنجفف منابع الفساد ونعري دواخله.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار