آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

في الظلام

كانت درجةُ الحرارةِ عند الرابعة صباحاً 10 درجاتٍ مئوية، يومٌ نفرحُ فيه بلبسِ الصوف. صحوتُ الساعةَ الرابعةَ إلا ربع وفي الرابعةِ تماماً أدرتُ محرك السيارة. سرتُ لمدة خمسِ دقائق واحسستُ أن رِجليَّ فيهما نعلينِ مختلفين كنت تركتهما عند مدخلِ المنزلِ البارحة، لم يطل التفكير طويلاً، ثوبُ الصوفِ يغطي كل شيءٍ وعندما يكون شيءٌ جيد يجرُ معه أشياءً جيدة. في منتصفِ الطريق كان على وجهي النظارةُ التي انكسرت وصرتُ اعلقها على وجهي بجهةٍ واحدة وأخرى لا شيء، منظرٌ حتى انا ضحكتُ منه. حتماً سينتبهُ شُرطيُّ النقطة وحارسُ الأمن. لن يريا الحذاءَ المختلف ولكن بكل تأكيدٍ سوف يلحظ أحدهما النظارةَ المكسورة. ماذا لو طلب مني الشرطيُ النزولَ من السيارة؟

طلعَ النهارُ وبدل أن أضيع وقتي في العودةِ إلى المنزلِ واستبدال الحذاء، قلت من ينظر إلى حذائكَ إن كان رأسك مرفوعاً. ينظر الناس إلى رجليكَ إن كنت محني الرأس وهابط الصدر. لم أَخَفْ عين الرقيب وأنا ألبس حذائينِ مختلفين ونظارةً مكسورة ولم أعود إلى المنزل فوراً ولكن عندما سمعتُ صراخَ بطني ولم أجد أصابعَ الموز الأربعة التي آخذها معي في رحلةِ الصباح كان لزاماً أن أعود.

انتهت رحلةُ الصباحُ ولم يعرف ما جرى في الظلامِ سوى اللهُ وأنت. لحظاتٌ ربما كانت محرجةً لشخصٍ لم يعتد الحرمانَ من اللباسِ والغذاء والترف منذ سنين. ماذا عن  تعساءِ الأرضِ وسعداءِ السماءِ الذين قضوا كل حياتهم في حذائين مختلفين إن وُجِدَا وبطنٍ خاوٍ في معظم ساعاتِ الليلِ والنهار وبكل تأكيد لا صوف يقيهم من البرد. إذا اشتد البرد أسرعنا إلى منازلنا ومَدَافِئِنَا، إلى أين يسرعُ في هذا العالم من ورث التعاسةَ والفقرَ أباً عن جد ومن أنزلته الأيامُ  والحروبُ منزلَ العوز بعد أن كانَ في معيشة السعة.

ليس الرجل التعيس هو من لا يملك مقوماتِ الحياة بل ذاك الذي يملكها ولا يشاركها أحداً سواه.  يصارع الفقير عواطفه وثورةَ روحه ألا يسرق من الغنيِ الذي حرمه ويصارعُ الغني ميولهُ ونزعتهُ لسلبِ ما بقي في يدِ الفقير وكلاهما في نزاعٍ مستمر. هذه هي حكايتهما حتى تحكم بينهما السماء. يبلغ الغني قمةَ السعادة إن زادت الأرقامُ رقماً ويبقى قلبُ المحتاجِ أبيضاً بارداً كالثلج في الشتاءِ ينتظر رقماً يظله أو يشبعه أو يدفئه ولكن لا صدى لصوته سوى في السماء.

عندما يرقدانِ أخيراً في جسمِ الأرضِ لن يعرف الناسُ من هذا ومن ذاك ولكنَّ أحدهما ينامُ نومةَ الهانئ والآخرُ يرقدُ رقدةَ الأموات، فقط السماءُ تعرف من يكون.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 12 / 12 / 2017م - 7:10 ص
ماضنت الأرضُ ولاشحت السماء على بني البشر ولكن حين استولى الطمع على القوي كاد أن يملك على الضعيف أرضه وسماه .
كتابة مؤثرة
مستشار أعلى هندسة بترول