آخر تحديث: 3 / 12 / 2020م - 10:41 ص

العراق والمشاركة الإيجابية

جعفر الشايب * صحيفة اليوم

أدى انقطاع العلاقة بين المملكة والعراق لفترات طويلة من التوتر والأحداث المتلاحقة في الداخل العراقي إلى ضعف العلاقة بين البلدين وخلق حالة من التباعد والسلبية والتباين في العديد من المواقف، وصلت في بعض الحالات إلى مستوى متدن من التواصل بين البلدين. طوال تلك الفترة، كانت التغيرات المستمرة تجري في العراق باتجاهات مختلفة دون أن يكون للمملكة حضور فعال ونشط، بل أنه تشكلت عند العديد من القيادات السياسية وبعض فئات المجتمع العراقي صورة سلبية ضد المملكة ومواطنيها.

ومنذ أن تحركت المملكة باتجاه إعادة العلاقات مع العراق وممارسة وجودها ومشاركتها، تغير الموقف الشعبي والرسمي في العراق باتجاه الترحيب بمشاركة المملكة الايجابية ووجودها الفاعل كدولة عربية وجارة وتجمعها بالعراق العديد من المصالح الكبرى المشتركة أمنيا واقتصاديا وسياسيا. الترحيب الذي لقيته سياسة المملكة ودورها في العراق ينبع من الشعور بالانتماء العربي ومن تقدير لدور المملكة الإقليمي ولأهميتها الاقتصادية، ويعكس مدى عمق وتجذر العلاقات الطبيعية بين البلدين على الرغم من مختلف الظروف السياسية التي شابت تلك العلاقات لعقود عديدة. كان البعض - في داخل العراق وخارجها - يراهن ولا يزال على إبقاء المملكة لاعبا بعيدا وغير مؤثر في الشأن العراقي تحت ذرائع مختلفة، ويسعى لإبقاء فتيل التوتر مشتعلا بين البلدين.

يرى الكثير من المراقبين أن مشاركة المملكة الإيجابية في العلاقة مع العراق تخدم كل الأطراف من خلال التعرف والتواصل مع مختلف القوى في الداخل العراقي بإيجابية وفاعلية وتعاون مشترك، وتنمية مجالات التعاون المشترك لترسيخ المصالح البينية للدولتين تجاريا وثقافيا وسياسيا، وتطمين مختلف الأطراف بأن هذه المشاركة الإيجابية ستزيل المخاوف والقلق والهواجس التي كانت سائدة. وبالفعل فإن ما نتج من هذا التواصل حقق نتائج إيجابية ملموسة على أصعدة عديدة من بينها: أنه هيأ فرصا أفضل للعلاقة مع القيادات السياسية ورجالات العشائر ورؤساء الأحزاب والقوى السياسية، كما أنه أوجد بيئة إيجابية للاستثمار وبلور فرصا جديدة للتجارة بين البلدين، وخفف كثيرا من حدة الإعلام الذي كان معاديا للمملكة طوال الفترة الماضية، كما كشف أيضا عن فهم أفضل لطبيعة الساحة العراقية ومكوناتها.

هذا النموذج من العلاقة التشاركية الايجابية بين البلدين يمكن أن يكون نموذجا فاعلا ونشطا في السياسة الخارجية يعالج اشكالات وتبعات مراحل التوتر، ويتجه بالعلاقة نحو المزيد من الحركية والفاعلية وتعزيز المصالح المشتركة ويتجاوز بجدية المعوقات المصطنعة التي تريد بعض الأطراف تغذيتها. لعله من المهم أيضا الإشارة إلى ضرورة توسيع هذه العلاقات؛ كي تتجاوز المجالات السياسية والاقتصادية لتشمل المجالات الثقافية والعلمية والأكاديمية والاجتماعية، إضافة للمساعدات الإنسانية، فهي بهذه الشمولية تكون قد غطت قطاعات ومجالات واسعة وسيكون تأثيرها الإيجابي على مختلف هذه القطاعات عميقا وجذريا وبعيد المدى.

ينظر الكثير من السياسيين والمثقفين العراقيين بنظرة أمل وتقدير لدور المملكة في العراق، ويرون أن المزيد من العلاقات الإيجابية ستساهم في ردم هوة التباعد الذي طرأ على هذه العلاقة.