آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في أهداف الحرب على غزة

يوسف مكي * صحيفة الوسط البحرينبة

صعَّد العدو «الإسرائيلي» من وتيرة عدوانه الوحشي على أهلنا في قطاع غزة، ليصل إلى مستوى الحرب الشاملة. وكان اغتيال المسئول العسكري لحركة حماس أحمد الجعبري، في غارة جوية استهدفت سيارته وسط مدينة غزة، هو المحطة الأولى في هذا التصعيد.

رد المقاومة الفلسطينية، في هذه الحرب، جاء مختلفاً هذه المرة، لتوقعات العدو. فقد أدار الفلسطينيون معركة المواجهة مع العدو بجدارة واقتدار، وتمكنوا من إطلاق صواريخ بعيدة المدى، بلغت عاصمة الكيان الغاصب، «تل أبيب»، ومدينة القدس، وعدداً آخر من المدن والبلدات والمستوطنات الصهيونية. وتشير التقديرات إلى أن عدد الصواريخ التي أطلقتها المقاومة، بمختلف تشكيلاتها، على المواقع الصهيونية تجاوزت حتى نهاية اليوم الرابع من الحرب السبع مئة صاروخ. ولاشك أن إنجازات المقاومة، شكلت مفاجأة ومتغيراً كبيراً في معادلة الرعب، مع الصهاينة، سيكون لها أثر كبير في مجرى الصراع لانتزاع حقوق الشعب الفلسطيني.

هذا الحديث، سيكرس لمناقشة أهداف العدوان الصهيوني على قطاع غزة، في هذه المرحلة بالذات، مع التسليم بأهمية مناقشة التطورات والنتائج التي ستفرزها هذه المعركة التي يمثل الأداء الملحمي الرائع للمقاومة أحد أبرز عناوينها.

قبل الولوج في مناقشة أهداف الحرب، نود التذكير، بأن استراتيجية التوسع الصهيوني، وقضم الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تشمل، في المدى المنظور، على الأقل قطاع غزة. فالقادة الصهاينة، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية، عملوا على إقناع القيادات المصرية المختلفة، منذ عدوان يونيو/ حزيران 1967 باستعادة السيطرة على القطاع، كما كان الحال عليه قبل حزيران، لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل.

وأثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، انتفاضة أطفال الحجارة، اعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحاق رابين، قطاع غزة، كابوساً تمنى ألا يستيقظ من نومه، إلا وهو غارق في البحر، وعمل من خلال اتصالات سرية، مع الرئيس ياسر عرفات، عن طريق أعضاء عرب في الكنيست الصهيوني، وشخصيات قيادية في فتح، على إقناعه بتسلّم إدارة القطاع، لكن الرئيس عرفات، رفض ذلك وأصر على أن يكون تسلم الفلسطينيين للقطاع، جزءا من تسوية شاملة مع منظمة التحرير الفلسطينية. وحين طرح موضوع تسلم قطاع غزة، وحده في مفاوضات أوسلو رفض عرفات ذلك، وأصرّ على ربطه بأريحا، حيث حمل المشروع عنوان اتفاق غزة - أريحا أولاً.

على النقيض من ذلك، عمل الصهاينة، إثر النكسة العام 1967م، حتى يومنا هذا على تحقيق اندماج الضفة الغربية ومدينة القدس بالكيان الصهيوني. وخلال خمسة وثلاثين عاماً، من عمر الاحتلال الصهيوني، بنيت عشرات المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية والقدس، وتآكلت معظم أراضيها، حيث تم اغتصاب أكثر من 55 في المئة من تلك الأراضي في صيغة مستوطنات وجدران عازلة ومعابر.

وقبيل العدوان بأيام قليلة، وافقت حكومة العدو على بناء 850 وحدة سكنية، في مدينة نابلس، لتشكل مستوطنة صهيونية جديدة.

هذه القراءة تصل بنا إلى الهدف الأول من العدوان الذي هو توجيه الأنظار نحو قطاع غزة، بالعدوان الوحشي عليه. فحيث تسيل الدماء غزيرة، تتوجه الأنظار، بينما تتسارع عملية التهويد في القدس، وبقية مناطق الضفة الغربية، في ظل صمت عربي ودولي مطبق. تهويد منهجي وهادئ في الضفة، لن ينتهي إلا بتحقيق اندماج شامل للضفة والقدس بالكيان الغاصب، بينما الأنظار موجهة نحو عملية تدمير البنية التحتية للقطاع، وهدم البيوت وقتل القادة المقاومين، وأيضا المدنيين العزل.

الهدف الثاني، وله علاقة مباشرة بالهدف الأول. فمادام المشروع هو دمج الضفة والقدس، كلياً ونهائياً بالكيان الصهيوني، فإن ذلك يعني بالضرورة، الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، على أراضي الضفة، وبما يتسق مع قرارات الأمم المتحدة، وحق الشعوب في تقرير المصير. إن العدوان يأتي قبل أيام معدودة من مشروع تقدم السلطة الفلسطينية، إلى الأمم المتحدة، بنيل عضوية غير كاملة للدولة الفلسطينية. ولاشك في أن هذا العدوان، سيطغى على السطح، وسوف يحول دون مناقشة مشروع العضوية الفلسطينية، وربما يؤجل طرحه إلى ما لا نهاية، بما يمكّن الصهاينة من قضم البقية الباقية من الضفة والقدس، وبذلك لا يكون هناك مجال لمناقشة، ليس فقط عروبة القدس، وحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، بل إغلاق الباب نهائياً، على حق الفلسطينيين في دولة مستقلة فوق ترابهم الوطني.

وليس من شك، في أن الصهاينة، حتى مع تسليمهم ببقاء قطاع غزة، خارج دائرة الاندماج السياسي والاقتصادي، مع الكيان الغاصب، فإنهم لا يريدون أن يبقى القطاع مصدر إزعاج لاستقرار كيانهم الغاصب. فالمطلوب هو أن يكون أعزل من السلاح، وغير قادر على الدفاع عن نفسه. ولذلك يأتي العدوان، في محاولة لاختبار قدرات القطاع، وتجريده من أي قدرة على مقاومة العدوان. وعلى هذا يشكل تجريد المقاومة الفلسطينية من سلاحها هدفاً رئيسياً آخر من أهداف العدو.

وإذا ما سلمنا بالتنظير القائل، إن الدول، تلجأ عندما تواجه بمشكلات داخلية إلى توجيه أزماتها نحو الخارج، وقد شهد الكيان الغاصب خلال هذه السنة، مظاهرات غضب في معظم المدن والمستوطنات الصهيونية، احتجاجاً على سوء الأوضاع الاقتصادية، فإن العدوان على غزة سيسهم في إعادة اللحمة والتضامن، بين الصهاينة في حالة نجاحه. إنه سيحقق بحالة نجاحه في تركيع المقاومة، هدفين رئيسين: تحقيق تصليب الوحدة بين الصهاينة، وبروز رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو كبطل صهيوني قومي، بما يسهم في فوزه في المعركة الانتخابية المقبلة.

وتبقى أمام العدو مهمة الكشف عن الموقف الرسمي والشعبي العربيين، بعد الأحداث الدراماتيكية التي شهدها عدد من البلدان العربية، وفي مقدمة هذه البلدان أرض الكنانة. فهذا العدوان، هو بمنزلة امتحان عملي لردة فعل الحكومة المصرية، تجاه أهلنا في غزة. هل ستلتزم حكومة مصر بتعهداتها تجاه معاهدة كامب ديفيد، وستنأى بنفسها عن الأمن القومي العربي، أو أن هناك مناخاً جديداً لا يمكن للقيادة المصرية ألا تضعه في حسبانها، وهي تتخذ القرارات في هذه اللحظات المصيرية من تاريخ الأمة؟ فهل ستتحقق أهداف العدو الصهيوني من العدوان؟ سؤال ستتكفل نتائج المقاومة الباسلة لأهلنا في القطاع بالإجابة عنه، وما علينا سوى الانتظار.