آخر تحديث: 30 / 3 / 2020م - 10:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

المجتمع ومنعشوه

بدر شبيب الشبيب *

في اللغة الانجليزية هناك مصطلح يتداولونه كثيرا، وهو «Acronym» والذي يشير إلى الكلمة المؤلفة من الحروف الاستهلالية لعدة كلمات. فبدلا من أن تُكتب as soon as possible مثلا، والتي تعني «في أقرب وقت ممكن» تُختصر فتُكتب ASAP مما يوفر الوقت والجهد، كما يسهل حفظها أيضا إذ غالبا ما يستخدم هذا المصطلح لتذكر نقاط بعينها. وكما هو معروف فاللغة كائن حي يتفاعل طرديا مع أصحابه صحة وسقما. اللغات الأكثر حياة هي المنتمية لأصحاب أكثر تأثيرا في الحياة، يتفاعلون معها بقوة عطاء وأخذا، ولذا تكون في نمو مضطرد وابتكار دائم. أما الأقل حياة فهي تعيش عالة على غيرها، تماما كما يعيش أصحابها عالة على غيرهم. عندما كانت اللغة العربية في أوج شبابها قامت بابتكار أمثال هذا المصطلح الانجليزي، كما هو الحال بالنسبة لاختصارات علم التجويد مثلا. أما اليوم، فبما أن أصحابها نائمون في العسل حتى بعد الضحى، فهي نؤوم مثلهم تتناول معهم «كبستهم» الثقيلة المشفوعة بمشروب «دايت» في محاولة فاشلة لإقناع مخادع للنفس بأهمية الريجيم والصحة، ثم تستسلم للنوم والأحلام «الكبستية».

في مقال سابق بعنوان «قبل ضحى الغد» قمت باشتقاق Acronym جديد مستل من كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التي وجهها لأصحابه بعد قضية التحكيم في صفين، والتي ذكر فيها صفات المشير الخبير الذي ينبغي الإنصات له والأخذ برأيه، خصوصا في القضايا المصيرية الحساسة. يقول :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ - تُورِثُ الْحَيرَةَ وتُعْقِبُ النَّدَامَةَ - وقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي - ونَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي - لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ - فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ والْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ - حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ - فَكُنْتُ أَنَا وإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ: -

أَمَرْتُكُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى * فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ

الصفات الأربع التي ذكرها الإمام في بداية كلامه هي «الناصح، الشفيق، العالم، المجرب»، والمصطلح المختصر الذي استللته منها هو «منعش»، حيث استخدمت الحروف الأولى للكلمات الأربع بعد حذف «أل» التعريف، ومع شيء من التصرف فيها تقديما وتأخيرا، وذلك تسهيلا لحفظها وترسيخا لها في الأذهان، خصوصا مع الدلالة الإيجابية لكلمة «منعش» في اللغة العربية. فقد جاء في لسان العرب: نَعَشَه اللَّهُ يَنْعَشُه نَعْشاً وأَنْعَشَه: رَفَعَه. وانْتَعَشَ: ارتفع. والانْتِعاشُ: رَفْعُ الرأْس. والنَّعْشُ سَريرُ الميت منه، سمي بذلك لارتفاعه، فإِذا لم يكن عليه ميّت فهو سرير.

وجاء فيه أيضا: ونَعَشَ الإِنسان يَنْعَشُه نَعْشاً: تَدارَكَه من هَلَكةٍ.

من هنا فإن الكلمة تدل على الارتفاع إلى الأعلى، كما تدل على الإنقاذ بعد الإشراف على الموت، ومنه الإنعاش الطبي. وهذان معنيان جميلان لهما علاقة مباشرة برأي الخبير المشير المطابق للمواصفات العلوية.

لا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات الحية من أفراد «منعشين» من ذوي الخبرات والكفاءات، الذين يتفاعلون مع هموم وآمال وتطلعات المجتمع، ولا يألون جهدا في بذل النصح وتقديم الرؤى السديدة الرشيدة لأبنائه، مبتغين بذلك إما المساهمة في تنمية مجتمعهم ورفعته في مختلف المجالات، أو إنقاذه من تردي حالته الصحية وإنعاشه في بعض المواقف الصعبة الحرجة.

المجتمعات المتقدمة تقوم باحتضان هؤلاء وتوفر لهم البيئة السليمة للإنتاج والمزيد من العطاء، بل تحاول اكتشافهم والتعرف عليهم كما يكتشف المدربون اللاعبين الجيدين في فرق «الحواري». أما في المجتمعات المتخلفة فنصيبهم الإهمال والعصيان، وبالتالي فهم لا يملكون إلا أن يرددوا: لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ.

العلاقة بين المجتمع ومنعشيه هي مؤشر على تقدم المجتمع أو تخلفه، وستكون محور حديثنا القادم بإذن الله.

بدر الشبيب