آخر تحديث: 25 / 6 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

وقفات مع ليلة القدر

فؤاد الحمود

ليلة شرًفها الباري وحباها بأن جعلها تعدل عمر متوسط أعمار أمة خير البشر محمد ﷺ، فجعلها تعدل أفضل من ثلاث وثمانين سنة، وإن امتازت هذه الليلة التي هي حتى مطلع الفجر بخفاء حالها وصعوبة معرفتها ليس بالأمر اليسير لأن حقيقتها من الغيباتات والأمر المستصعب، فكانت لها خصائص وسمات وهبات قد غفل عنها الكثير للأسف رغم خطرها وعظمها.

ومع كونها ليلة التقدير والإبرام وزيادة الآجال والأرزاق هي ليلة السلام والمحبة لأولياء الله وأهل الطاعة، حتى أصبحت ليلة وصول العاشق إلى معشوقه الأتم، وهي ليلة السلامة من الآفات والشرور والبليات

فليلة القدر هي ليلة المعصوم حيث تنكشف له جميع الأمور من غيب وتقدير؛ فالتقدير من الله يبلغ به ولي الأمر في زمانه وهو ولي نعمتنا روحي وأرواح العالمين فداه.

وكما ورد عن النبيّ الأعظم ﷺ: ”قال موسى: إلهي، أريد قربك، قال: قربي لمن استيقظ في ليلة القدر، قال: إلهي، أريد رحمتك، قال: رحمتي لمن رحم المساكين ليلة القدر، قال: إلهي، أريد الجواز على الصراط، قال: ذلك لمن تصدّق بصدقة في ليلة القدر، قال: إلهي، أريد النجاة من النار، قال: ذلك لمن استغفر في ليلة القدر، قال: إلهي، أريد رضاك، قال: رضاي لمن صلى ركعتين في ليلة القدر“

فكيف نستفيد من هذه الفرصة الثمينة؟؟

العمر محدود والمناسبات كذلك؛ فحري بنا الاستفادة التي تؤثر ايجابا وتبعدنا عن السلبيات واستلهام الرحمات، كونها المصير لسنة كاملة؛ فحين يكتب لنا السعادة سنكون كذلك وحين يكتب لنا الشقاء والحرمان فلعمري هو الخسران المبين.

فكم إنسان يتمنى أن يعيش لهذه الليلة لكن الموت أخذه، أليس هذا حافز وباعث لنا أن نجدّ ونجتهد ونترك التكاسل، ولنعيد التفكير والتصميم على التغيير لنسجل في ليلة القدر أمانيننا من توبة صادقة وذرية وحياة طيبة وثروة وبرزخ هادئ وجنة.

فلنستعد نفسيا وروحيا وأخلاقيا لكي نعيش ليالي القدر بمحطات نقف عندها:

الأولى: ليلة الرحمة:

هناك فرص كثيرة للإنسان فقد تكون مكانية أو زمانية، فمكة وكربلاء من الأماكن المقدسة التي تهفو لها النفوس، وهناك أزمنة كذلك تتنزل فيها الرحمات ومنها ليلة القدر لأنها ليلة إجابة الدعاء والعروج بالأرواح فهي فرصة التقدم لله عز وجل بالتوبة الخاصة؛ لأن الله يحب التوابين ويحب من يقترب اليه؛ ففي هذه الليلة رحمة لا تحدها حدود.

الثانية: ليلة الحوائج:

هذه الليلة التي تقضى فيها الحوائج الدينوية والآخروية؛ لذا على المؤمن أن تكون له همة في طلب السعادة لنفسه ولذوية وللآخرين، كما أن المغفرة والهداية وعاقبة الخير لا بد أن تكون من أولياته.

الثالثة: ليلة أمير المؤمنين:

لا بد أن نتسائل ما العلاقة بين أمير المؤمنين وليلة القدر؟!

وإن شئت أن تقول مع العلاقة بين والقرآن، ووصي رسول الله؟!، فلقد كان علي صنيعة رسول الله ﷺ؛ لذا نجد التمازج بينهما واضح ولأن أمير المؤمنين هو عدل القرآن بل الشاهد الأول والشهيد على الأمة؛ فمن يريد أن يصل إلى القرآن لا بد له من العبور عبر المحطة الأولى وسيدهم هو أمير المؤمنين ولقد كان ينتظر تلك اللحظات الموعودة بليلة القدر ”متى يبعث أشققاها“.

الرابعة: القرآن الكريم:

من عظمتها أن القرآن نزل ويتنزل في كل ليلة قدر فهناك علاقة مطردة بين القرآن وليلة القدر فهو أي القرآن الهادي إلى نيل العروج بالروح، ولذا على المؤمنين أن يقرأوا القرآن كما نزل بحزن؛ كما أبانت وحثت الرويات الشريفة.

الخامسة: الدعاء:

الدعاء في هذه الليلة حبل متين، ووثيق، وأسرع السبل وصولاً إلى الله؛ لذا لا بد من الجد والاجتهاد والخشوع والحياء مما أقترفناه من الذنوب وأن نضع في الحسبان نعم الله علينا، وليكن للدعاء منطلق فردي وجماعي فالوالدين والأرحام والجيران لهم نصيب في تلك الليلة العظيمة وقبل هذا وذلك لا تنس ولي النعمة عجل الله فرجه.

السادسة: حضور القلب:

من أهم التوجهات التي ينبغي للمؤمن أن يكون حاضرا بقلبه في تلك الليلة العظيمة، فالحضور الجسماني لن تكون له ثمار كبيرة كما للحضور القلبي فإذا وصل الحضور القلبي والتوجه حصلت الانكشافات والعروج وهي بداية السير الحقيقي في تلك الليلة، والذي لا يتحصل له ذلك ستكون ليلة مملة ومتعبة بل تصل إلى حد الاجهاد من طول البقاء ولقلقة الألفاظ، فخضوع البدن ناشيء من تربية وخضوع النفس.

لذا نجد الإمام الخميني «قدس سره» يقول: ”فما الذي يمكن أن يحصل في حال أهمل العابد قضية تحصيل حضور القلب، فإذا كان القلب غافلاً في وقت العبادة ساهيا لا تكون للعبادة حقيقة، بل تشبه اللهو واللعب ولا يكون لمثل هذه العبادة أثر في النفس البتة“

فعلينا قبل تلك الليلة الرجوع إلى أحاديث أهل البيت التي ترغبنا في العبادة فيها.

السابعة: الانخداع والتسويف:

من أهم العوامل التي يجب أن يعيشها المؤمن في ليلة القدر هي عدم الانخداع بالتسويف والشفاعة والرحمة الواسعة، فهل يمكن الاعتماد على طول العمر وزيادة الفرص وهو أمر خارج عن إرادته أما الشفاعة فهي لمن لم ينغمس في المعاصي؛ لذا من يروم شفاعة الآل فلا بد له من السعي والجد والمحافظة على العلاقة معهم، ولو علمنا أن شفاعتهم ستشملنا آلا نتذكر حال البرزخ.

وكذا الرحمة الواسعة قد تكون عامل لانخداعنا بسعتها ونذهب بعيدا فيأخذنا الشيطان ثم نحرم حتى مع سعة هذه الرحمة

الثامنة: الإمام الحجة عجل الله فرجه:

من نعم الله علينا أن جعلنا مرتبطين بالثقلين وكون الآية تقول: ”تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ“، وكما يقال أن الفعل المضارع يفيد الاستمرار فمن يا ترى ستنزل الملائكة عليه في هذه العشية؟؟

أليس هو النوذج والإنسان الكامل صاحب الأمر ، لذا ففهي ليلة تجمع وورود الملائكة عليه أفواجا ليسلموا عليه، فليكن كذلك اهتمامنا الوصول إليه بقلوبنا والعيش معه ولو للحظات، ولذا نجد الحث على أهمية الدعاء له في كل آن من لحظات ليلة القدر لانها ليلته.

التاسعة: الإمام الحسين :

يا ترى ما السر بين الإمام الحسين وكثير من المناسبات، فالمتأمل سيجد أن مناسبات سلم العروج إلى الكمال والسعادة لها ارتباط وثيق بالإمام الحسين ؛ كونه في حقيقته هو العروج فكل من ركب سفينة الحسين أدرك الفتح الأعظم وهو أقرب الطرق للوصول لله كما صرح بذلك أهل العرفان كالسيد القاضي والطباطبائي وغيرهم، فالحسين هو الأكسير الأعظم؛ ”من اراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم“ ولأن سفينة الحسين اوسع وأسرع فدونكها.

تلك كانت وقفات أشرت لها وإلاّ المتأمل في ليلة القدر يجد الكثير والكثير من العطاءات والمواقف التي تحتاج إلى تأمل وتوقف.

وفي الختام أوصي نفسي وأخواني المؤمنين أن يطالعوا ما كتبه علماءنا الأبرار عن آثار هذه الليلة العظيمة والرويات التي تبين فضلها ومكانتها حتى تصبح مفتاحا للوصول إلى أعلى الثمرات المرجوة منها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
فؤاد الحمود
[ القطيف ]: 23 / 5 / 2019م - 2:34 ص
ملاحظة وردة كلمة الغيابات في المقال والصواب الغيبيات
لذا جرى التنويه